كثيرة هي نكباتنا العربية، وأكثر منها قدرة أمتنا على تخطي المحن وتحويلها إلى عوامل دفع للأمام لا مبرر للانكفاء والتراجع، حدث هذا منذ بدايات الغزوة الأوروبية الأولى في العصر الوسيط وما تلاها من غزوات في عصر الاستعمار الحديث، الذي كافأ عرب الثورة الكبرى .

وانطلاقة «الفرس الشهباء» إبان الحرب العالمية الأولى بجزاء سنمار، وقطع أوصال وطنهم على مائدة اقتسام النفوذ المعروفة باتفاقية «سايكس بيكو» وزرع الألغام الناسفة لمحاولة الوحدة تحت مسمى الحدود.

في تاريخنا القديم والمعيش تبقى الوحدة هي الأصل أما التشرذم والقطرية فهي العارض والاستثناء حتى لو طال أمد وزمن الإقليمية، وتفرقت السبل بنا، ونهشتنا الخلافات، وأصبحنا نستلذ وضع الضحية على موائد اللئام من أساطين الاستكبار والظلم الدولي كما هو حادث الآن.

دون إغراق في «نوستالجيا» الوحدة في زمن تعلو فيه رايات الفرقة، من حقنا ان نتذكر بكل فخر وإعجاب ونذكر النشء ببعض من نفحات أول تجربة وحدوية عربية في تاريخنا المعاصر، عندما التأم شمل مصر وسوريا في دولة «الجمهورية العربية المتحدة» قبل ان تنقض أيادي التآمر الدولي وتتكالب عوامل الضعف والأخطاء الذاتية وتعلن سقوطها تحت موجة الانفصال.

استمرت دولة الوحدة سنوات قليلة في عمر الزمن لكن بقيت آثارها مديدة تعلو على حساب السنين، لأنها وحدة فرضها الشعب العربي خصوصا في القطر الشمالي «سوريا» كما عرفت وقتها في أبجدية المد العربي.

وظل المدافعون عن بقاء دولة الوحدة امام طوفان قراصنة الانفصال والدمى الحزبية أبطالاً في عيون التاريخ والوجدان العربي، مثلما يستقبل العقيد «المسرح» جاسم علوان لدى عودته إلى مسقط رأسه في دير الزور بالإقليم الشمالي السوري حاليا بعد أربعين عاما قضاها في وطنه بالإقليم الجنوبي مصر.

في سنوات الصراع بين دعاة الوحدة ومتآمري الانفصال، كان خيار جاسم علوان حاسما لا يعرف المساومة، وراسخا رسوخ جبل الشيخ في وجه هجمة المسخ الصهيوني، لم يحد عن قناعاته ولم يجرفه تيار المناورات الحزبية، ولم يسلم بشرعية الانفصال.

وقاد في عام 1962 محاولتين لإسقاطه واستعادة دولة الوحدة ووقف على عتبة النجاح، لولا اختلال موازين القوى لصالح الانفصاليين، وسجن وحوكم عسكريا بالإعدام قبل ان يتدخل الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وينقذه وينتقل للإقامة في القاهرة ويعيش كمواطن لدولة الوحدة المغدورة بها، ويعمل كأي مواطن شريف يقتات من عرق جبينه.

عودة جاسم علوان إلى سوريا ليست عودة من المنفى كما تسرع البعض في وصفها بل هى عودة إلى مسقط الرأس من الوطن الثاني، واستجابة لحنين وشوق لم الشمل في مضارب الطفولة والصبا، فالقاهرة تبقى مهما تفرقت بها السبل مقصد كل المدافعين عن استعادة وحدة العرب.

وتحتفظ جدرانها بشعارات الوحدة حتى بعد تغير الأجواء، ومازالت آثار أعوام الجمهورية العربية المتحدة باقية تزين إحياء وسط العاصمة مثل مقهى سوق الحميدية في باب اللوق الذي حفظ اسمه ووجوده ومكنه من الاستمرار متحديا هجمة الأمركة، وبقى ملتقى المثقفين والأدباء.

مابين قيام دولة الوحدة في عام 1958 وفشلها أمام الانفصال عام 1961 كسر العرب قاعدة التجزئة التي فرضها الاستعمار ولمسوا بأيديهم إمكانية تحطيم الحواجز المصطنعة، وابقوا شعلة الحلم العربي تتقد وتشتعل لحين لحظة آتية لا ريب فيها، وتحية للمواطن الوحدوي العائد إلى سوريا.