بحثت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس خلال زيارتها الأخيرة للشرق الأوسط والتي شملت كل من فلسطين والأردن ومصر والسعودية مسيرة السلام الإقليمية ودعم الديمقراطية والإصلاح ومكافحة الإرهاب.

وبعد ذلك توجهت الوزيرة رايس إلى بروكسل لحضور المؤتمر الدولي حول العراق، الذي تجمع فيه مندوبون عن أكثر من 80 دولة ومنظمة دولية لدعم الحكومة الانتقالية العراقية في جهودها من أجل إقامة عراق حر ديمقراطي مزدهر ينعم بالرخاء.

وقد شددت الوزيرة رايس على أهمية الإصلاح الديمقراطي في تلك البلدان مؤكدة على التغييرات التي تجتاح المنطقة ومسؤولياتها كأعضاء رئيسية في العالم العربي لدفع عجلة التغيير في الشرق الأوسط.

واعترفت الوزيرة رايس بأخطاء السياسات التي اتبعتها الولايات المتحدة طوال ستين عاماً تجاه منطقة الشرق الأوسط عندما فشلت الإدارات الأميركية السابقة النظر إلى المنطقة بنفس الطريقة التي كانت تنظر بها إلى باقي مناطق العالم الأخرى، وذلك في دعم الاستقرار على حساب الديمقراطية. وخلصت إلى أن الولايات المتحدة لم تحصل على أي منهما بل أصبح عليها مواجهة مشكلة تعاظم المجموعات زالمتطرفةس في المنطقة.

ولم تخف الوزيرة رايس تفاؤلها حول مستقبل المنطقة عندما ذكرت أن الشرق الأوسط أصبح الآن في وضع أفضل بكثيرلوجود فرصة حقيقية لبناء شرق أوسط من نوع مختلف بعراق مختلف في وسطه، ودولة فلسطينية ديمقراطية، وتغيرات شاملة في هذه المنطقة بأسرها، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى انتشار الديمقراطية والاستقرار لشعوب المنطقة وضمان المصالح الحيوية للشعب الأميركي.

والسؤال هو: هل الإصلاح مطلب داخلي أم خارجي؟

في الماضي وتحديداً بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية التي تلت مباشرة انتهاء الحرب العالمية الثانية ومع نشوء الدولة الوطنية عكفت الدول العربية لتحقيق هدفين أساسيين هما:

أولاً، استكمال الاستقلال بالانفكاك من التبعية للخارج من خلال إقامة علاقات تخدم المصالح الوطنية للوصول إلى دول قوية مستقلة غير تابعة للخارج؛ وثانياً، تحقيق التنمية الشاملة للدولة الوطنية، ولاسيما التنمية الاقتصادية للوصول إلى الإكتفاء الذاتي.

هذان الهدفان جعلا الدول العربية المركز الأساسي الذي يقود عملية استكمال الاستقلال وتأمين شروط عدم التبعية. وقد سارت معظم الدول العربية في هذا الاتجاه الذي أظهر في سياقه التاريخي فيما بعد أن الإصلاح والديمقراطية كانا الضحية الأساسية لعملية تطور الدولة القطرية.

وبالنتيجة تأخر العالم العربي بشكل مريع عن معظم دول العالم وأصبح الإصلاح مطلباً أساسياً وضرورة ذاتية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وانتاج المعرفة المتقدمة. بالتالي أصبح الإصلاح حاجة داخلية ملحة نتيجة للوضع المتخلف الآن في العالم العربي.

من جهة أخرى، لا يمكن القول أن الإصلاح يجب أن يكون نابعاً من الداخل فقط. فكثير من القضايا المختلفة النابعة من داخل العالم العربي تصل في نهاية المطاف إلى نتائج سيئة بل وأحياناً تصبح مدمرة للمجتمع والسلطة على حدٍ سواء.

فبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 طرحت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ما يسمى «مشروع الشرق الأوسط الكبير» الذي يطمح لإحداث عملية إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي تقود إلى تغيير ديمقراطي وتحديث للمجتمعات العربية بأبعاده السلطوية وغير السلطوية.

وما من شك أن الأميركيين جادين في مساعيهم لإحداث تغييرات ديمقراطية ليس من منطلق الحرص على مستقبل الشعوب العربية أو تعاطفاً مع مظالمهم، بل حرصاً لحماية المصالح التي تمس الأمن القومي للولايات المتحدة ولحماية أنفسهم من ظاهرة «الإرهاب» الناجمة عن فقدان الديمقراطية ووجود أنظمة غير ديمقراطية في العالم العربي.

وقد شددت رايس على النظرية الأميركية القائلة زإن الحرية تشكل أفضل علاج طويل الأمد لأيديولوجيات الكراهية،س رافضة النظرية التي تقول ان الانفتاح الديمقراطي قد يسمح زللمتطرفين الإسلاميينس بالاستيلاء على السلطة في معظم الدول العربية.

مما لاشك فيه إن مسألة الديمقراطية في العالم العربي أصبحت حيوية ولم تعد مسألة تبشيرية، ولذلك سيبذل الأميركييون جهوداً جبارة في هذا السياق لتأمين مصالحهم المحددة بالأركان الثلاثة التالية: النفط ؛ أمن إسرائيل ؛ ونشر القيم الديمقراطية في الشرق الأوسط. وهنا نلاحظ أن نشر القيم الديمقراطية احتلت مكان محاربة الشيوعية التي سادت خلال فترة الحرب الباردة.

وبالرغم من تأكيد الوزيرة رايس على أن مهمة نشر الديمقراطية لا يمكن أن تفرض من الخارج وأن الولايات المتحدة ستتكاتف مع الشعوب العربية الذين يودون أن يحتفظوا بتطلعاتهم الخاصة بالديمقراطية إلا أن التدخل الأمريكي المباشر في قضية نشر الديمقراطية وإجراء الإصلاحات الضرورية أصبح واضحاً وقد تجلى هذا الأمر خلال زيارة الوزيرة رايس الأخيرة إلى كل من مصر والسعودية عندما صرحت قائلة: «إن أهدافنا مثالية. لكن سياساتنا عملية ويجب أن يكون هناك دليل على حدوث تقدم».

الحقيقة إن موقع الولايات المتحدة الأميركية في الشؤون العالمية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي هو ثابت بمفرده من خلال جبروتها العسكري وقوتها الاقتصادية وموقعها كأكبر مصدر للابتكارات والإبداعات العلمية والتكنولوجية وكونها أكبر مصدر للثقافات العالمية كالآداب والأفلام والمأكولات المتنوعة. ولكن كل هذا وذاك قد لا يجدي أمام إرادة الشعوب التي تشعر بالظلم وفقدان العدالة وتعيش في حالة مستديمة من ازدواجية المعايير.

إن نشر القيم الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط كانت دائماً مطلباً داخلياً قبل أن تصبح مطلباً خارجياً ومع ذلك لا تزال المنطقة تعاني من قلة الديمقراطية ليس لأن الشعوب العربية ترفض الخيار الديمقراطي أو أن لديها البديل الأفضل.

ولكن لأن المشكلة أساساً تكمن في أن الشعوب العربية التي فقدت ثقتها بالنوايا والسياسات الخارجية، ولا سيما الأميركية، التي امتنعت عن الوقوف إلى جانب العدالة الدولية التي شاركت هي في تحديد بنودها والتي تنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها وفي الاستقلال والحرية.

وبناءً عليه فإن هدف نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط بمعناه الجوهري والحقيقي قد لا يتحقق ما لم تصبح الولايات المتحدة لاعباً عادلاً ونزيهاً تجاه قضايا الشعوب العربية التي لا تزال ترزخ تحت الاحتلال بكل أنواعه، لأنه لا ديمقراطية في ظل احتلال والعكس صحيح.

isam@hotmail.com

كاتب وباحث سياسي