من جديد تعود واشنطن إلى ممارسة الابتزاز تجاه الأمم المتحدة. ومرة أخرى تستخدم واحدة من الوسائل المؤثرة التي تملكها، في هذا الصدد، وكالعادة الهدف المبطّن هو ذاته: إما أن تنصاع المنظمة الدولية للشروط والمطالب الأميركية ـ التي تؤدي إلى تحويلها إلى شبه وكالة تابعة لوزارة الخارجية الأميركية .
ـ؛ وإلا فإن واشنطن تهدد بممارسة ما لديها من أوراق لعرقلة عمل ودور المنظمة. من أهم هذه الأوراق هي الحصة المترتب على واشنطن دفعها من الموازنة السنوية لهذه الأخيرة. وهي حصة وازنة تمثل خُمس الميزانية الإدارية.
مجلس النواب الأميركي أقر مشروع قانون يقضي بخفض هذه النسبة إلى النصف؛ إذا لم توافق الأمم المتحدة على برنامج الإصلاح الذي ترغبه واشنطن. ومن المتوقع أن يتبنى، قريباً، مجلس الشيوخ هذا المشروع، ليتحول بعد ذلك إلى البيت الأبيض كي يقترن بتوقيع الرئيس ويدخل حيز التنفيذ. ومن المرجح أن يقترن بتعديل يترك للرئيس حرية اختيار الوقت المناسب للتطبيق. وبذلك يتحوّل القانون إلى سيف مسلّط فوق عنق الأمم المتحدة لتطويعها.
البرنامج الإصلاحي الأميركي يقوم في الأساس على إحداث تغيير في دور الأمم المتحدة؛ المرسوم منذ تأسيسها عام 1945. وينهض هذا الدور على رعاية قضايا الأمن والسلام في العالم، وبالأخص على تولي فض النزاعات الدولية بالطرق السلمية وعبر آليات وأجهزة المنظمة. وبالتحديد مجلس الأمن.
البرنامج الإصلاحي الذي رفعه عنان عام 2003 يقوم في جوهره على تطوير هذا الدور وليس تغييره أو تقليصه.إدارة الرئيس لا ترغب في هذا التطوير. على العكس هي تريد تكريس خط معاكس يقوم على الإقرار بحقها ـ على أساس انه امتياز خاص لها كقوة عملاقة وحيدة في العالم ـ في فض النزاعات على طريقتها؛ التي تتمثل في الضربات العسكرية الاستباقية؛ المطلوب من مجلس الأمن مباركتها وليس إجازتها.
هنا يكمن لبّ الخلاف. وهو خلاف بدأ منذ قدوم اليمين الجمهوري المحافظ إلى مواقع القرار، مع عهد الرئيس ريغان. ثم أخذ دفعة جديدة عندما سيطر الجمهوريون على مجلس الشيوخ أيام كلينتون.
يومذاك رفض عميد المحافظين السناتور جاس هلمز ـ وكان رئيساً للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ـ الإفراج عن المترتب السنوي على واشنطن لموازنة الأمم المتحدة. وبقي على إصراره حتى تراكمت المستحقات الأميركية للمنظمة وتجاوزت المليار دولار. ولم تبدأ واشنطن تسديد هذا المبلغ بالتقسيط إلا بعد أن وافقت الأمم المتحدة على بعض المطالب الإدارية لواشنطن.
اليوم يتكرر السيناريو نفسه. واشنطن مستأسدة على الأمم المتحدة، خاصة بعد تهميشها في حرب العراق. ويبدو أن النية الأميركية عازمة على الدفع باتجاه المزيد من التهميش والتجويف لهذه المنظمة كي تستفرد بالساحة الدولية لوحدها.