الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 طوال نصف القرن الماضي، انتهجت الولايات المتحدة الأميركية استراتيجية ثابتة إزاء المنطقة العربية، تقوم على ركائز أربعة أساسية، هي: 1 ـ ضمان استمرار تدفّق النفط، والتحكّم بأسعاره، 2 ـ الحفاظ على أمن إسرائيل وتفوقها النوعي، 3 ـ الحؤول دون تمكّن أية دولة منافسة لها من السيطرة على هذه المنطقة، 4 ـ المحافظة على استقرار النظم السياسية السائدة. ولكن متابعة الخطابات والتحركات السياسية الأميركية، بدءا من احتلال العراق وتغيير نظامه ومحاولة تغيير النظام الفلسطيني، وصولا إلى الحديث عن إعادة هيكلة المنطقة ومشاريع «نشر الديمقراطية» فيها، تؤكد بأن إدارة بوش أحدثت تغييرا نوعيا كبيرا في هذه الاستراتيجية، يتمثّل بالسعي لتغيير الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي في العالم العربي، بدلا من حفظ استقراره واستمراره. واللافت للانتباه أن محاولة التغيير هذه، لم تعد بالنسبة لإدارة بوش، تقتصر على التدخّل، بالوسائل الدبلوماسية وعبر الضغوط أو الإغراءات السياسية والاقتصادية، كما كان الأمر في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، وإنما باتت تشمل التدخّل، بمختلف الأشكال، حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة. كما يلفت الانتباه أن الإدارة الأميركية لم تعد تكتف بالمطالبة بإصلاح الحكومات، وإنما باتت تطالب، أيضا، بإصلاح أحوال المجتمعات: السياسية والاقتصادية والثقافية. وبتقديري فثمة ضرورة ومصلحة للمعنيين في الساحة العربية، للشروع بإجراء قراءة موضوعية، لتفحّص الدوافع الأميركية، التي وقفت وراء هذا التحول، بعيدا عن الأفكار المسبقة، وذلك بالعمل على معرفة هذه الدوافع من داخل الإدراك الأميركي، ذاته. واللافت للانتباه أن الخطاب الأميركي يفسّر نفسه بنفسه، وهو خطاب مباشر وواضح. ولكن مشكلتنا، في الساحة العربية، أننا نقع في كل مرة في شرك توهماتنا أو أفكارنا عن «المؤامرة»، من دون أن نكلّف أنفسنا عناء البحث، وكأننا، في كل مرة، نصدّق على مقولة: أن العرب قوم لا يقرأون». ملامح التغيير ما ينبغي قوله هنا أن الإدارة الأميركية على غاية من الوضوح في تحديد المنطلقات التي تحكم سياستها الخارجية، وتوضيح رؤيتها لذاتها وللآخرين، وتعيين أهدافها ووسائلها. ويمكن ملاحظة ذلك في خطابات الرئيس الأميركي وأركان إدارته، وفي المقالات التي ينشرها الخبراء المتنفذون في الإدارة الأميركية، ولا سيما من يطلق عليهم لقب «الأيدلوجيين»، أو«المحافظين الجدد». وفي هذا الإطار يمكن لنا تفحّص ملامح التغير في السياسة الخارجية الأميركية، من خلال الإطلاع على أهم الوثائق، التي صدرت عن إدارة الرئيس بوش، خلال الفترة الماضية، وهي: 1 ـ خطاب بوش حول الشرق الأوسط (24/6/2002)، 2 ـ «استراتيجية الأمن القومي الأميركي» (سبتمبر 2002)، 3 ـ خطاب كولين باول وزير الخارجية الأميركية، بشأن «مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة الأميركية والشرق الأوسط» (12/12/2002)، 4 ـ خطاب الرئيس بوش في جامعة كارولينا يوم 9/5/2003، بشأن إقامة منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة والدول الشرق أوسطية، (وكلها منشورة في موقع وزارة الخارجية الأميركية، على شبكة «الانترنيت» يقفْف/ًُّه.مُّفَُّّ.ُنَيَِّّ). 1 ـ ففي خطابه الذي ألقاه يوم 24/6/2002، رهن الرئيس بوش إقامة هذه الدولة، بوقف «الإرهاب»، أي وقف المقاومة الفلسطينية، وبتغيير القيادة الفلسطينية. والواقع فإن خطاب بوش هذا موجّه إلى النظام العربي، ككل، بمعنى أن لائحة التغييرات، التي طالب بإدخالها في النظام الفلسطيني، والتي تشمل الإصلاح السياسي والاقتصادي والقضائي والإداري، ومحاربة الفساد والإرهاب والتحريض على العنف، هي مجرد نموذج للمطالب الأميركية التي تشمل أكثر من طرف في النظام السياسي العربي، وربما أن البداية كانت في العراق وفلسطين. 2 ـ أما عقيدة «الأمن القومي الأميركي فهي تحدد دور أميركا بالدفاع عن الحرية والديمقراطية والاقتصاد الحر في العالم» من خلال محاربة الإرهابيين والطغاة..سوف نوسع أفق السلام من خلال تشجيع المجتمعات الحرة والمنفتحة في كل قارة..علينا استخدام كل أداة متوفرة في ترسانتنا - القوة العسكرية. واللافت أن الوثيقة حددت الأعداء بالإرهابيين والطغاة، أيضا، وأكدت على حق أميركا باستخدام القوة التي تمتلكها في سبيل نشر هذه الأهداف. وأشارت الوثيقة إلى أن أمن الولايات المتحدة لم يعد يقتصر على حدودها، على أساس أنها تعرضت للخطر في سبتمبر 2001، ما يخولها التدخل لإحداث تغييرات في العالم، لاسيما في البلدان العربية والإسلامية، حيث ينتشر الفقر والتخلف والتسلط، ما ينتج عنه تنامي مشاعر الإحباط ونزعات التطرف والإرهاب، التي تهدد الاستقرار في المنطقة وفي العالم، وفي الولايات المتحدة ذاتها. 3 ـ وفي إعلان «مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط»، الذي قدمه كولن باول، وزير الخارجية، في خطاب ألقاه يوم 12/12/2002، قال باول: «يجب علينا أن نوسع تعاطينا مع المنطقة إذا كان لنا أن نحقّق نجاحا. وعلينا خصوصا أن نوجه اهتماما متواصلا ونشيطا إلى الإصلاح الاقتصادي، والسياسي، والتعليمي..أن العجز في الفرص الاقتصادية هو تذكرة إلى اليأس. وهو، إضافة إلى الأنظمة السياسية المتصلبة، خميرة خطرة..إن أي معالجة للشرق الأوسط تتجاهل تخلفه السياسي، والاقتصادي، والتعليمي، ستكون مبنية على رمال» 4 ـ وفي 9 مايو (2003) أعلن الرئيس بوش، في خطاب له، أن حكومته ستعمل على تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة تربطها اتفاقات للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة خلال عشرة أعوام. وقال بوش: «ما يحدث في الشرق الأوسط يهم أميركا كثيرا. فمرارة تلك المنطقة يمكنها أن تجلب العنف والمعاناة لمدننا. وإن تقدم الحرية والسلام في الشرق الأوسط من شأنه أن يمتص هذه المرارة ويضاعف أمننا..إننا سنستخدم نفوذنا ومثاليتنا لاستبدال الكراهيات القديمة بآمال جديدة عبر الشرق الأوسط..إننا نؤيد تقدم الحرية في الشرق الأوسط لأنها مبدأ مؤسس، ولأنها تخدم مصلحتنا القومية. فأيديولوجية الإرهاب المبنية على الكراهية تكيفها وتغذيها وتحميها أنظمة طغيانية. أما الدول الحرة، فهي على نقيض ذلك، تشجع الإبداع والتسامح والمشاريع الحرة، وفي تلك الدول الحرة، فإن جاذبية التطرف تذوي وتموت..فحيث تحجب الحرية، يعيش الناس في عزلة وجمود. وحيث يُرحب بالحرية، يستطيع الناس من كل ثقافة أن يزدهروا..» تكريس الهيمنة ومن ما تقدم يمكن الاستنتاج أن مسألة تغيير العالم العربي باتت جزءا من أولويات الإدارة الأميركية، وأن هذا التغيير بات ضرورة ملحة لأمنها واستقرارها وضمان هيمنتها، كقطب أحادي في العالم. ولاشك هنا بأن أحداث 11 سبتمبر، شجعت على حسم هذا التغير في المنظور الاستراتيجي الأميركي، ولكن هذا التغير حصل، أيضا، بفعل العديد من التطورات أهمها: 1 ـ هيمنة أميركا على النظام الدولي، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) في مطلع التسعينيات، 2 ـ نمو الروح «الإمبراطورية» في الولايات المتحدة التي تسعى إلى عكس مجالات قوتها وتفوقها:الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي والعسكري إلى هيمنة في المجال السياسي في العالم، 3 ـ تنامي المشاعر الوطنية الأميركية وازدياد الميل لتعميم النموذج الثقافي ونمط الحياة الأميركية في العالم، على حساب مشاعر «العولمة» التي ترتكز على التعددية والتنوع والروح الأممية، 4 ـ نمو النزعة العسكرية والميل لاستخدام القوة والحرب الاستباقية، لاسيما بعد زلزال 11 سبتمبر (2001) للتعويض عما حصل، 5 ـ وجود تيار «أيدلوجي»، هو تيار «المحافظون الجدد»، الذي يتبنى موقفا مفاده أنه ثمة دور دولي (رسولي) للولايات المتحدة عليها القيام به، لما تتمتع به من إمكانيات ووسائل القوة، لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والاقتصاد الحر، وإصلاح العالم وبناؤه على شاكلة النموذج الأميركي، أو بما يتلاءم والمصالح الأميركية، وذلك للتوفيق بين المثل الأميركية والقوة الأميركية. خلاصة الأمر أنه في هذه الظروف الصعبة والحرجة والخطيرة جدا من المهم قراءة التحولات الحاصلة، في السياسة الخارجية الأميركية، وتبيّن الاستحقاقات والتحديات الناجمة عنها، بعيدا عن العواطف والتمنيات أوالتوهمات، فقد دفعت الأمة العربية، ثمنا باهظا جراء تضارب الإرادات والمزايدات وجراء تغليب العواطف والرغبات على حساب القدرات والإمكانيات. ولكن ما يجب التأكيد عليه هنا، أيضا، هو أن إرادة الإدارة الأميركية ليست قضاء لا راد له، فثمة كثير من الأمور تتوقّف على ما يفعله أو ما لا يفعله النظام العربي، لإصلاح أوضاعه السياسية والاقتصادية والثقافية، ولتحرير إرادته، وصولا لللتوجّه الجاد والفعال، نحو صوغ استراتيجية عربية مشتركة تعرّف المصالح العربية والأمن القومي العربي، في القرن الحادي والعشرين. ـ كاتب فلسطيني