نظام دولي على حساب المصالح العربية ، بقلم: د. خير الدين العايب

الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 كل عربي يشعر اليوم بالغبن، فالعرب الذين كانوا يوماً اسياداً يحكمون العالم بأسره من الجزيرة العربية إلى غاية حدود أوروبا في حوض البحر المتوسط، تحولوا إلى شعوب لا حول ولا قوة لها. هذا هو الواقع المرير، الذي نعيشه جميعاً حكاماً ومحكومين ونشترك في مرارته فالعالم كله يتكالب علينا ويقذفنا بتهم وأوصاف كالإرهاب والرجعية والتخلف، ويطالبنا ان نتكيف مع حركة الواقع الدولي الجديد وإلا سنبقى على هامش العالم. فالواقع المرير الذي يعيشه العرب ابقاهم على هامش القضية الفلسطينية واليوم القضية العراقية، والولايات المتحدة الأميركية تعرف حجم العرب الحقيقي في عالم اليوم، فهم شعوب غير قادرة على حماية اراضيها لأن معظمها شعوب كانت ترزح تحت المظلة السوفييتية السابقة والتي كانت تمدها بالسلاح، ثم فرضت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها حظرا على بيع الأسلحة المتطورة للدول العربية، بينما اغرقت إسرائيل بكل أنواع الأسلحة، فأصبحت الدول العربية بأكملها بعد تفكك الاتحاد السوفييتي دولاً مغلوبة على امرها من دون مظلة دولية، وعرضة لهجمات من دول اخرى. العديد من المحللين السياسيين يعتقدون سذجاً بأن الولايات المتحدة الأميركية تسعى فعلاً إلى تحقيق الرفاهية لشعوب العالم من خلال إزالة كل الانظمة السياسية والتي يشك انها تهدد السلم العالمي، هذا الطرح فيه مغالطات كبيرة، لان الحقيقة غير ذلك، فالولايات المتحدة الأميركية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي قالتها صراحة بأنها تسعى إلى اقامة نظام دولي يكون تحت إدارتها واشرافها المباشر وانها لن تتسامح مع أي نظام يهدد هذا النظام الجديد، وعملت ما في استطاعتها على نشر مبادئها الليبرالية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وطالبت العالم كله ان يأخذ بالنموذج الأميركي من اجل تحقيق الرفاهية. يحتاج النظام الدولي الجديد من الولايات المتحدة الأميركية تحقيق العديد من الأهداف التي تسمح لها بالتربع على عرش هذا النظام لسنين طويلة، من هذه الأهداف اعادة ترتيب خارطة العالم واحتواء القوى الدولية التي يشك في انها تهدد مصالحها المستقبلية. وتعد المنطقة العربية من بين أهم المناطق الاستراتيجية في العالم التي تتكالب عليها القوى العظمى والكبرى لما تحتويه من مصادر اقتصادية ونفطية وطرق وممرات حيوية للنشاط الدولي، فوجدت الولايات المتحدة الوقت مناسب لإعادة ترتيب المنطقة بالبدء من العراق، بدليل انها تقولها صراحة انها تسعى إلى إعادة ترتيب المنطقة بعد الانتهاء من ملف العراق، وتعني بذلك تحويل المنطقة العربية إلى محمية أميركية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، واذا تمكنت من تحقيق هذا الهدف ستتمكن من الهيمنة على العالم كله ولن تكون في مقدرة اية قوة دولية منافستها. ولعل فرنسا وألمانيا وروسيا من أكثر دول العالم التي فهمت ما ترمي إليه الولايات المتحدة الأميركية من مخططاتها، فهذه الدول تعرف ان ما تفكر فيه الولايات المتحدة ليس احتلال العراق فحسب بل احتلال المنطقة العربية بأكملها: عندها تتعرض مصالحها الاقتصادية والنفطية الحالية إلى الخطر، لذلك لاحظنا ان هذه الدول عارضت حرب الولايات المتحدة الأميركية على العراق، ليس حباً في العراق بل خوفاً على مصالحها ومكانتها الدولية. فألمانيا وفرنسا وروسيا كانت امبراطوريات استعمارية وهي تعرف ان أهداف الولايات المتحدة أهدافاً للسيطرة، والأسف ان العرب أول ضحاياها. هذا السيناريو بدأت تتوضح ملامحه وترتسم خيوطه العلنية، والاخطر من ذلك ان الولايات المتحدة عرفت كيف تختار الوقت المناسب لاحتلال جزء من المنطقة العربية، فالعرب في الوقت الراهن، مشتتون أكثر من السابق وهم مكبلون وغير قادرين على المواجهة. نقول احتلال لأن كل المؤشرات تدل اننا نتجه في هذا الاتجاه، والولايات المتحدة تلمح إلى ذلك، فعندما تقول انها سوف تعمم الديمقراطية على الوطن العربي بعد ان تغلق ملف العراق، فمعنى ذلك انها تريد تجريد العرب من عاداتهم وتقاليدهم وتفرض عليهم عاداتها وتقاليدها ونمط تفكيرها، فهي تريد ان يكون العرب أميركيين في التفكير والتعليم واللباس، وبعبارة صريحة تريد ان يكون العرب كل العرب تابعين إليها. ـ كاتب جزائري khiredine@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات