الحرب الموازية اختبار لقدرة الإعلام العربي !!، بقلم ابراهيم الصياد

الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 رغم ان الحرب على العراق قد انتهت فعليا بسقوط النظام السابق الا ان تداعياتها مازالت مستمرة والدروس المستفادة منها مازالت تطرح نفسها على الفكر والعقل العربي، وكان من اهم الظواهر اللافته للنظر ان الاعلام العربي كان له دور البطولة في هذه الحرب بما يؤكد ان التواجد الاعلامي العربي مؤثر وفعال، وليس كما يسوق البعض ان الاعلام العربي غير قادر على التعامل مع واقعه وواقع غيره. ومن خلال السطور القادمة سنحاول ان نلقي الضوء على بعض النقاط التي برزت خلال الحرب على العراق فيما يتعلق بدور الاعلام. اولا : المواجهة ليست فقط في ميدان القتال وحده: هناك ايضا حرب موازية وضحت بشكل كبير من قيام كل الاطراف المتحاربة بتوظيف الاعلام او الميديا المتاحة في التقليل من شأن الخصم، حيث تزامنت مع العمليات العسكرية حرب اعلامية ونفسية كان ميدانها اجهزة الاعلام المختلفة وتابعها الملايين عبر شاشات التلفزيون، ويمكن اكتشاف مداها من خلال تحليل البيانات الصادرة عن الطرفين المتحاربين حيث حاول كل منهما ان يثبت تفوقه على الآخر وابراز نقاط ضعف الخصم. ولكن احيانا كثيرة لجأ هذا الطرف او ذاك الى اسلوب التضليل وادعاء عكس الحقيقة او اختلاق ما ليس في الواقع وهو ما حاول ان يبرزه الجانب العراقي، ففي اللحظة التي كان النظام يهيئ نفسه للرحيل كان يوجه اجهزة الدعاية نحو احتمالات المواجهة الضارية والمقاومة الشرسة، لدرجة ان كثيرا من المحللين العسكريين تنبأ بهزيمة ساحقة لقوات الاحتلال. ويمكن القول ان الاعلام يستطيع ان يعبئ الاجواء بشكل قد يكون مخالفا للواقع، بعبارة اخرى ان الاعلام يمكن ان يؤدي دورا في غاية الخطورة يتمثل في عرض حقائق يثبت بعد ذلك انها لم تكن سوى سراب، وهنا تطرح قضية المصداقية في الحرب نفسها. وفي تقديري ان الحرب خدعة واذا لم يحسن اي من الاطراف المتحاربة توظيف ما لديه من ميديا في اتجاه تحسين موقفه العسكري فانه يمكن ان يكشف نفسه للطرف الاخر، ومع ذلك في ظل المنافسه الاعلامية لابد ان تتوافر المصداقية بصورة او بأخرى. وبقراءة سريعة للساحة الاعلامية نجد ان الاعلام الغربي لم يكن له الدور الفاعل مثلما كان ابان حرب الخليج الثانية عام 1991، وعلى العكس تماما كان الاعلام العربي هو الاكثر سيطرة وتمثل ذلك في ثلاث قنوات فضائية اساسية، ابوظبي والجزيرة والعربية، ونلاحظ انها تنافست في نقل الحدث بشكل جعل المتلقي العربي يتابع مجريات الحرب لحظة بلحظة دون الحاجة للبحث عن الاخبار في المحطات غير العربية وهو ما كان متبع في الحروب والازمات السابقة، وهذا في اعتقادي انتصار يحسب باعتراف الاعلام الغربي للفضائيات العربية رغم محاولة البعض، سواء من الجانب العراقي او الغربي اتهام هذه المحطة او تلك بالانحياز الى طرف او آخر او الترويج لدعاية طرف على حساب طرف آخر. ثانيا : نقل الاحداث يخضع للمعلومات المتوافرة: ويمكن القول ان نجاح او تميز قناة اعلامية عن غيرها يخضع لاعتبارات اما مهنية تتعلق بامتلاك المحطة لادوات النقل الذي يجذب المتلقي او اعتبارات تتمثل في توافر المادة الاخبارية من موقع الحدث مباشرة او ما يطلق علية بالنقل الحي، فقد كان لقناة ابوظبي مثلا السبق في نقل ساعة الصفر فجر الخميس العشرين من مارس ومن الغريب ان قناة الجزيرة جاءت في المركز الثالث مع العربية، واستطاعت الفضائية المصرية ممثلة في قطاع الاخبار ان تكون صاحبة المركز الثاني، ثم تميزت القنوات الثلاث ابوظبي والجزيرة والعربية بعد ذلك لانها كانت لديها وسائل النقل المباشر وشبكة مراسلين داخل العراق وهو الامر الذي لم يكن متاحا لباقي القنوات العربية الاخرى ومنها المصرية التي تميزت في اللحظات الاولى للحرب. ونذكر انه في حرب الخليج الثانية ساهم الاعلام الاميركي لاسيما شبكةََك في صنع انتصار القوات الحليفة وهو امر حقيقي، اما في الحرب على العراق عام 2003 فكان الوضع مختلفا. لم يكن الاعلام الغربي وحده في ميدان القتال بل كان هناك اعلام عربي قد ينحاز بشكل او بآخر للجانب العراقي ولكنه يعرض الحقائق التي لا يريد الاعلام الاميركي ابرازها وقد يسعى عامدا الى التعتيم عليها مثل خسائرهم الحقيقية في المعدات والافراد، ولهذا كانت محطة التليفزيون العراقي ومراكز البث الاذاعي والتليفزيوني من الاهداف التي سارع الاميركيون الى قصفها حتى تصبح الصورة الاعلامية في الحرب الدعائية من طرف واحد فقط، ولكن المحطات الفضائية الاخرى كانت تنقل الواقع وفشل الاميركيون في حجب الحقيقة. ثالثا : الشفافية في الاداء الاعلامي :في ضوء ماتقدم يمكن القول ان الدخول الى الحرب الاعلامية بدون التسلح بالشفافية والحقيقة حتى ولو تم استخدام اسلوب خداع الخصم وفي ظل وجود قنوات اعلامية متعددة منافسة، يمكن ان يؤدي الى نتائج سلبية ويؤدي عدم المصداقية الى انصراف المشاهد عن القناة التي لاتلتزم بالصدق الاعلامي. وخلاصة القول ان الحرب الدعائية في ظل ثورة المعلومات والتطور الكبير في وسائل الاتصال الجماهيري لها التأثير الاكبر في توجيه الحروب الحديثة، ولعلنا قد تابعناها يوميا على مدار الساعة عبر الفضائيات على الهواء مباشرة التي نقلت سير العمليات العسكرية في جبهات القتال لحظة بلحظة، ليس فقط من خلال العرض الاخباري ولكن من خلال الرصد والتحليل العسكري والسياسي لتطورات الحرب وتداعياتها وتأثيراتها على مجتمعات الدول المتحاربة خاصة بعد السقوط السريع للنظام العراقي. بعبارة اخرى ان الحرب الدعائية الموازية قد اثرت الى حد كبير في الشكل العام للحرب سياسيا وعسكريا، لدرجة ان البعض يقول ان الحروب الحديثة هي حروب متلفزة، واعتقد ان هذا الرأي فيه قدر كبير من الحقيقة وهو احد الدروس المستفادة من حرب الخيج الثالثة. ـ كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات