الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 تدفقت التحليلات، توازي في ارتفاع ضجيجها أصوات الانفجارات التى حدثت فى مدينة الرياض الأسبوع الماضى، وأعقبتها تحليلات أكثر ضجيجا بعد انفجارات الدار البيضاء، وكل له رأي فيها أو تفسير ما باتجاه، ما، ورغب البعض فى أن يتحدث عن الفرع بدلا من الأصل، والتفاصيل بدلا من الكليات، ويقينى أن الأصل هو (ثقافة) تقود إلى فعل، بعض التثقيف يقود إلى فعل ايجابى يصب فى صالح المجتمع، وبعضه الآخر يقود إلى فظائع وقتل غير مبرر.البعض أراد أن يقول إن الفاعلين قد قتلوا مسلمين فيمن قتلوا (أيضا)، وهذا مذهب فى القول يرتكب نوعا من التبرير، وكأن الافتراض أن هؤلاء لو علموا أن هناك مسلمين فى هذا المجمع السكانى أو ذاك لما قاموا بفعلتهم، القائل بذلك يريد أن يشير دون أن يتنبه إلى أن قتل غير المسلمين مبرر ومقبول! وبعضهم ذهب إلى (توقع صيف ساخن) كردة فعل لما حدث فى العراق! حتى أن مثل هذا التحليل ذهب إلى القول ان الذى حدث فى الرياض والدار البيضاء ما هو إلا مقدمة لها ما سيلحقها! لعل فى ذلك وحده اعترافا بالبعد السياسى لا الدينى للظاهرة. البحث في المرجعية لا شيء يبرر قتل الآمنين، وكل ما يحقق العدالة بين الناس هو من الإسلام، ومنه حفظ حقوق الأقليات وإنسانيتهم وحياتهم، وغير مبرر تحت أية ذريعة وأى ظرف، قتل الآخرين وترويع الآمنين. ولكن هذا القتل وهذا الإرهاب تكمن وراءه عقلية آن لنا أن نناقش مكوناتها بوضوح لا يقبل الشك، فمن يُقنع بقتل نفسه لابد أن فعل الإقناع كان عليه قويا وغير قابل للنقاش، كما أن الأفعال المرتكبة هى فى نهاية الأمر (سياسية) وليست دينية، غذيت بثقافة تَدعى (الدين) وغرضها (السياسة)، من يناقش الظاهرة فى موقعها (الدينى) يطالع فى الملف الخطأ، استخدمت المفاهيم الدينية فقط من اجل استبدال الإحساس (بالإثم) إلى النزوع إلى (الثواب). البحث فى (المرجعية) التى تستند إليها هذه المجموعات من الشباب فى الغالب، هو الأصل فى البحث عن الدوافع، لقد استقر فى أذهان الكثيرين منهم أن السلطة الشرعية فى المجتمع محل شك أو محل تساؤل لدى غالبيتهم، وساعدت السلطة نفسها في توسيع دائرة الشك حولها عندما أشركت معها قوة أخرى فى المجتمع من أجل التشريع أو قل (المرجعية) وهى قوة (الفتوى) فى المدرسة والجامع ووسائل الاتصال الحديثة، فأصبح عدد من الشباب يلجأون إلى هذه الفتوى تقودهم قيادة تروم التبرير لما تريد تنفيذه، خاصة فيما يتعارض مع رغبات السلطة القائمة، إنها ثنائية المرجعية فى المجتمع. السلطة التشريعية دورها فى المجتمع الحديث معروف وهو وضع القانون، وتقوم السلطة التنفيذية بأدواتها المعروفة بتنفيذ هذه القوانين، كما تقوم السلطة الثالثة القضائية بالفصل فيما يختلف عليه فى المجتمع، تلك قواعد الدولة الحديثة. (الفتوى) لها مكان فى بعض مجتمعاتنا العربية، وهى رأى فى شئون الدين، وخاص بالعبادات، أو ربما شئون الأسرة الذى اصطلح على تسميته (الأحوال الشخصية)، والاصطلاح الأخير وضع للتعبير عن القوانين الأسرية من قبل الدولة العثمانية طلبا للإصلاح القانونى قبل أكثر من قرن من الزمان. (الفتوى) يجب ألا تطلب فى مسائل سبق أن نظمها القانون، الذى رضى به المجتمع، كما أن (الفتوى) لا تصبح ملزمة إلا فى حال تحولها لقانون يرضى به المجتمع، من خلال المؤسسات التى ارتضاها كمؤسسات تشريعية أو حسب الأنظمة المرعية. الفتوى فى المسائل الدنيوية لا تعدو أن تكون رأيا يؤخذ به أو لا يؤخذ فى أكثر الأحوال تسامحا. وقد تركت شئون (الفتوى) فى مجتمع عربى أُهل كثيرا لسماع مثل اؤلئك المُفتين بتقبل يندر مساءلته، وتركت الدولة الحديثة لأسباب عديدة هامشا واسعا من شئون الدولة الحديثة، على انه يخضع لمجال (الدين) أكثر مما يخضع للمجال الحقيقى له وهو (السياسة)، ومن ثم فتحت وسائط الإعلام والاتصال على مصراعيها لمثل هؤلاء، واستقبل العامة آراءهم بقبول لا راد له. من هنا أصبح من الممكن أن يسير بعض الشباب منقادين إلى حد قتل النفس والآخر بسبب ما يظنون انه من العقيدة، كما قال به شيوخهم المسيسون. مفترق طرق نحن الآن فى مفترق الطرق بأن نعى هذا الفرق بين القوانين الملزمة وبين (الفتوى) إلا أن هذا الوعى لأسباب كثيرة اختلط على البعض، ولعل المثل الأوضح حدث فى الكويت عندما قتل عدد من الجنود الأمريكان قبل اشهر، لجأت السلطات إلى إحياء أو تذكير المجتمع (بفتوى) عدم جواز قتل غير المسلم فى بلاد أعطى ولى الأمر فيها الأمان لآخرين أيا كانت دياناتهم، حقيقة الأمر أن القانون العام والقوانين المنظمة للدولة الحديثة لا تقبل بالقتل وتعاقب عليه حسب القوانين المرعية بصرف النظر عن ديانة القاتل أو القتيل أو جنسيته أو جنسه، إلا أن التذكير (بفتوى) من هذا النوع، هو أولا اعتراف بأن قوة الردع قد تأتي بشكل أقوى من الفتوى قبل القانون، وفيها إضعاف ضمنى للقانون، وثانيا أن هناك شرائح فى المجتمع تستجيب إلى (الفتوى) قبل أن تحترم القانون، وهذا يقلل من دور الدولة الحديثة، بل ويحدث الخلل فى آلياتها. ما يستطيع المراقب أن يراه بوضوح أن (الوعى الدينى) ينقصه وعى قانونى، وقد طغى الأول لدى الكافة على الثانى نتيجة سنوات طويلة من التثقيف، فالدولة الحديثة تقوم على قواعد قانونية، وليس من الدول العربية اليوم إلا دول حديثة لها مقومات الدولة الحديثة، رغم تباين مستوى التطور فيها. دول المنطقة فى ظل انهيار النظام الدكتاتورى فى العراق مطالبة اليوم بتثبيت وعى قانونى، حتى يكون سلاح الإدراك للمواطنة فى مسائل تتعلق بتنظيم الدولة وتطبيق القانون النابع من الناس، والضامن لحاجاتهم المتغيرة، بالمفهوم الإبداعى وليس بالمفهوم الاتباعى. مفجرو مساكن الرياض والدار البيضاء لديهم مشروع إتباعى غامض الهوية ملتبس الهدف، وقرن أوسطى، يتحلى فى الظاهر بخطاب سياسى لمن يريد أن يقرأ فيه ذلك الخطاب، ظاهره حرب الأمريكان وباطنه وضع الدولة والمجتمع رهينة لخطابهم الاتباعى النصى، غير المحقق لأى غرض من أغراض الدولة الحديثة، منفصل عن العالم مثله الأعلى (دولة طالبان)! ضبابية الوعي محاربة الآخر الذى لم يعد بعيدا عنا اليوم، هو قول فيه الكثير من الاستخفاف بالعقل، فالآخر معنا، ويقينى أن قيادة (الانتحاريين) فى الداخل وفى الخارج لديهم أجندة لا تتناسب مع العصر، فجل شكواهم وتذمرهم هو من (تبنى الحداثة) وفى نفس الوقت هم أنفسهم يقومون باستخدام نتاج هذه الحداثة فى إشاعة خطابهم من جهة كمثل استخدام الانترنت والتلفزيون والإذاعة، وفى تحقيق أغراضهم بوسائل الحداثة المادية، مثل السيارات والطائرات إن وجدت، وكذلك المدافع الرشاشة أيضا! وبسبب وعى ضبابى لدى الكافة من جمهورهم، وأيضا بسبب تردد الدولة الحديثة فى ولوج غمار الحداثة المعروفة، تجد أن هناك مناصرين لمثل هذه الآراء، وربما الأفعال لدى الجمهور، إلا أن محتوى اجندتهم يريد أن يأخذ المجتمع إلى قرون وسطى، تجاوزتها تجربة المسلمين فى كل بقاع الدنيا، من استخلاص للأحكام والتعايش مع العالم. أصبح من المتفق عليه انه تم بناء تراكم ثقافى طويل المدى فى تثقيف متواصل بالاتجاه الخطأ، وترك العامة (للفتوى) والتمظهر بالدين من الشكل الخارجى الذى يراه العربى والمسلم فى كل مكان، إلى تسيير الناس فى سلوكهم ومعتقدهم السياسى، ومبلغ الكثيرين ممن يتصدون لهذا التثقيف من العلم قليل جدا بل نادر، علم الدين والدنيا، متقوقعين فى نصوص لا يخرجون عنها، وبعضهم يركب الموجة للوصول إلى الصدارة فى المجتمع وتراكم مباهج الدنيا، وبعضهم الآخر للتحريض والتخويف وإظهار الشوكة فى مجتمع لا يزال يقرر ميدانيا تغليب المظهر على المخبر، وسلطات تعتقد أن التجاهل والمسايرة هى خير علاج مع الزمن. تبين الآن أن لا هذا ولا ذاك نافع، كما لن ينفع استخدام نفس الترياق لعلاج العلة، فقد يسبب علة أخرى. المخرج الحقيقى وطويل الأمد هو التثقيف القانونى والاجتماعى الحى، والسعى لرفع الذرائع من متصيديها، والاتكال على دولة حديثه لها مثل الدول قوانين مرعية، ومطبقة بشفافية، دون مضيعه للوقت الثمين الذى يتسرب من بين أصابعنا. ـ كاتب كويتي