الاثنبن 18 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 19 مايو 2003 في دولة كبرى من المفترض انها ديمقراطية عريقة فإن الاعلام الاخباري ينبغي ان يكون على اعلى درجة من الصدقية. ولكي يكون ذلك فإنه ينبغي ان يتمتع بأعلى درجات الحرية، فهل هذا هو حال الاعلام الاميركي؟ اي اجابة على هذا السؤال تأتي من أي خبير اعلامي عربي أو اسلامي على سبيل الانتقاد يمكن ان يدمغ صاحبها بأنه متحيز سلفاً ضد اميركا. لكن ماذا يقول المفتونون بالديمقراطية الاميركية اذا صدرت مثل هذه الاجابة من شخصية غربية ذات قدر عظيم من التخصص المهني والخبرة وتنتمي الى دولة تعتبر الحليف السياسي الاول للولايات المتحدة. جريج دايك رئيس هيئة الاذاعة البريطانية «بي. بي. سي» العالمية بشقيها المرئي والمسموع كان يستوحي خبرة اكثر من 35 عاماً في الاعلام التلفزيوني عندما خاطب جمعاً مهنياً اعلامياً في لندن الاسبوع قبل الماضي منتقداً التغطية الاخبارية للحرب الاميركية على العراق بواسطة الشبكات التلفزيونية الاميركية الكبرى. قال دايك انه اصيب بصدمة، وعندما يأتي مثل هذا القول القاسي من مهني عريق في مكانته فإنه يكون كتشخيص طبيب اخصائي متمرس بشأن مريض ما يشكو علة مستعصية. بصراحة موضوعية يقول دايك ان التغطية الاخبارية الاميركية للحرب كانت متحيزة بدرجة فاضحة بحيث ان التقارير الاخبارية كانت ممزوجة مع الاجندة السياسية الذاتية للولايات المتحدة، واذا «ترجمنا» هذه اللغة المهنية السامقة الى اللغة العادية البسيطة فإن معنى هذا الحكم هو ان الشبكات الاخبارية الاميركية لم تعد تختلف جوهرياً في ادائها الاخباري عن المحطات التلفزيونية التي تخضع لسيطرة الحكومة في دول العالم الثالث: التعامل مع الاحداث الاخبارية من منظور ثوابت سياسة الدولة. ان على رأس الشروط الاساسية المطلوبة مهنياً للعمل الاخباري الحيدة والاتزان والاستقلالية. بدون هذه الشروط الثلاثة أو اي واحد منها ينتقل العمل الاخباري من دائرة الاعلام الى دائرة الدعاية. وهذا هو ما كان ديدن الشبكات الاخبارية الاميركية بشأن اخبار الحرب. لكن هناك حقيقة كبرى لم يشأ دايك ان يتعرض لها وهي انه بالرغم من ان الشبكات التلفزيونية الاميركية الكبرى مؤسسات تجارية ربحية فإن خضوعها لملكية رأس المال اليهودي يفرض عليها انتماء سياسياً الى الحركة الصهيونية واجندتها الدولية لخدمة اسرائيل. وهذا ما يفسر تحيزها الفاضح الى الادارة الاميركية في الحرب ضد العراق باعتبار ان احد الاهداف الكبرى لهذه الحرب هو خدمة الدولة الصهيونية الاسرائيلية وامنها. إن من المفهوم ألا يخاطب رئيس هيئة الاذاعة البريطانية «بي. بي. سي» مهما اوتي من شجاعة انتقادية بفضح الطبيعة اليهودية الصهيونية للشبكات الاخبارية الكبرى في الولايات المتحدة كيلا يدمغ بتهمة «معاداة السامية».. لكنه يقترب من هذا الخطر بطريقة غير مباشرة.. فكان اقوى هجومه الانتقادي موجها بصفة خاصة الى شبكة «فوكس».. اكثر الشبكات الاميركية انتماء الى الحركة الصهيونية الاميركية.. ويمتلكها الامبراطور الاعلامي اليهودي روبرت ميردوك. ومما تميزت به هذه الفضائية اثناء تغطيتها الاخبارية للحرب في العراق هو اظهار العلم الاميركي بصورة ثابتة ومستديمة على الركن الاعلى للشاشة من ناحية اليمين كشعار لها وكأنها جهاز اعلامي حكومي. وبتحيزها الفاضح اثناء الحرب لم تكشف الفضائيات الاخبارية الاميركية عن هويتها السياسية فحسب بل كشفت ايضا زيف الحرية الاعلامية التي تدعيها الولايات المتحدة مع كشف اسطورة الديمقراطية الاميركية. وقد تنوعت الاساليب والحيل المهنية التي استخدمتها هذه الفضائيات في تقديم اخبار تضليلية الى جماهير الشعب الاميركي. وتراوحت هذه الاساليب والحيل بين تضخيم بعض الاحداث وتحريف الحقائق وحذف بعضها بحيث لا يعرض على المشاهدين إلا انصاف أو أرباع حقائق. وكان اكثر الاساليب استخداماً هو مزج «الحقيقة» مع «الرأي» بطريقة ذكية وغير مباشرة كأن يجري اتصال هاتفي مع احد «الخبراء» ليدلي بتعليق سريع احادي الرؤية يدحض عملياً حقيقة ليست في صالح السياسة الرسمية الاميركية.. مع الامتناع العمد عن تقديم رؤية مختلفة. وهذه هي قصة «الحرية» في الولايات المتحدة انها في كلمة واحدة حرية رأس المال والنفوذ اليهودي.