الاثنبن 18 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 19 مايو 2003 لقد أختلف توصيف الحرب على العراق، وما زال الاختلاف قائما. فالادارة الأميركية وصفتها بحرب «الحرّية العراقية»، أمَّا الحكم العراقي السابق فقد أطلق عليها اسم «حرب الحواسم». وفي المحطات الفضائية العربية أختلفت التسميات: «الحرب على العراق»، «حرب الخليج الثالثة»، «العراق في مهبّ الحرب». ولعلّ هذه التسميات حملت كلّها ضمنا حقيقة من حقائق هذه الحرب. لكن، أليست تسمية «حرب الخطايا» هي الأصحّ والأدق لوصف هذه الحرب؟ لقد وضعت واشنطن أهدافا لهذه الحرب، من أبرزها: ازالة أسلحة الدمار الشامل. تغيير النظام واقامة حكم ديمقراطي في العراق. تأمين الأمن لأميركا والعالم. انَّ كلا من هذه الأهداف عانى من عدم جدية المصداقية ومن عدم مشروعية الأسلوب، اضافة لعدم وجود مرجعية دولية لقرار الحرب. ان واشنطن، لأوّل مرّة في تاريخها، مارست غزوا عسكريا لبلدٍ عربي. فالوجود العسكري الأميركي السابق في لبنان وفي الصومال، والحالي في منطقة الخليج وبلدان عربية أخرى، كان حصيلة اتفاقات وبطلبٍ من حكومات كل بلد. أيضا، أميركا خاضت هذه الحرب وادارتها مجبولة بكثيرٍ من الأشخاص الذين أطلقوا تصريحاتٍ ومواقف أوجدت حذرا وخوفا حتى لدى أشدّ أصدقاء أميركا في المنطقة . تصريحات ومواقف اختلط فيها ما هو تدخّل في شئون البلدان وثقافتها وأنظمتها . مع التطابق بين مواقف هذه الادارة وحكومة شارون، بل انَّ هذه الحرب حصلت في وقتٍ تستمرّ فيه حكومة شارون بعدوانها الاجرامي على الشعب الفلسطيني. هذه هي البيئة السياسية التي خاضت أميركا الحرب فيها، وهذا هو المناخ الذي يحيط بالمنطقة كلّها، فكيف اذا أضفنا اليه ما هو قائم في العالم عموما من انتفاضاتٍ شعبية ورسمية ضدّ نهج التسلّط والهيمنة الدولية الذي يحكم هذه الادارة الأميركية منذ مجيئها ؟! وكانت هذه الحرب كافية لتسقط ورقة التوت عن مشروع الهيمنة الدولية الذي تحمله الادارة الأميركية الحالية. لكن أميركا خاضت قبل الآن حروبا كثيرة في العالم، خارج العراق والمنطقة العربية، ومارست ما هو أفظع ممّا حدث أو قد يحدث في العراق . من القنابل النووية في اليابان التي تجرّأت على قصف بيرل هاربر«الى حرب فيتنام واخراج الحليفة فرنسا منها ومن أجل الوصول لحدود روسيا الشيوعية آنذاك» الى اقتلاع نظام نورييغا في بناما بعد أن رفض تجديد العقد مع أميركا حول قناة بناما «الى الحرب على صربيا واسقاط نظام ميلوسوفيتش» الى اقتلاع نظام طالبان في أفغانستان. أي ليست هذه هي المرّة الأولى التي تقوم بها أميركا بحروبٍ ضدّ دول وتغيّر أنظمة فيها: حروب شملت شرق آسيا وأميركا الوسطى وأوروبا والشرق الأوسط، وكلّها كانت عمليا لأهداف ومصالح أميركية، ومعظمها دون مرجعياتٍ دولية، ولم تميّز فيها أميركا بين بلد مسيحي أو مسلم أو بوذي. خطايا النظام الصدامي كان بامكان الحكم العراقي الصدامي أن يستبق الحرب، ومنذ نوفمبر الماضي، بوضع دستورٍ جديد للعراق وباقامة انتخاباتٍ حرّة يدعو اليها مراقبين دوليين وعرب، وباشرافٍ من الأمم المتحدة. وكان بامكان نظام حزب البعث العراقي التخلّي التدريجي عن السلطة لصالح الشعب العراقي المضطهد في ظلّ هذا النظام لأكثر من ثلاثين عاما خلت. الحكم العراقي، منذ انقلابه العسكري عام 1968، خاض معارك الصدام مع أكثر من طرف، وفي مراحل زمنية مختلفة. هو الذي قام بحملة سياسية واعلامية واسعة ضد مصر عبد الناصر عام 1970، وقبل أشهر قليلة من وفاة جمال عبد الناصر. هو الذي بدأ في مطلع السبعينيات بتصفية وملاحقة العديد من القيادات الفلسطينية المعارضة لحكم بغداد. هو الذي قرّر عام 1973 عدم المشاركة في حظر النفط على الغرب. هو الذي ساهم في اشعال الصراع على الساحتين اللبنانية والفلسطينية خلال أتون الحرب الأهلية اللبنانية، ونقل دعمه المالي والعسكري فوق أرض لبنان من أقصى اليسار الى أقصى اليمين. هو الذي بدأ الحرب الطاحنة لثمان سنواتٍ مع ايران. هو الذي قام بغزوٍ كامل لدولة الكويت عام 1990، واحتلالٍ لها استمرّ عدّة أشهر، ونتج عنهما ما نتج من تشريع المنطقة للتدخّل الأجنبي والوجود العسكري الأجنبي في معظم دول المنطقة، ناهيك عن عزل شعب العراق وفرض الحصار عليه، وتهديد كيانه الوطني بالشرذمة والتقسيم! ألم يكن الواجب عليه أصلا اعلان تحمّل المسئولية والاستقالة من الحكم. كان ممكنا أن يحصل التغيير في العراق، وبالاتجاه الصحيح الذي يحفظ الشعب العراقي ويصون له وحدته وسيادته. لكن النظام أختار مصالح رموزه حتى اللحظة الأخيرة من عمره. وكانت هذه الحرب بمثابة الضربة القاضية التي أسقطت النظام كما أسقطت ورقة التوت عن رموزه الذين أختاروا الهرب والاختفاء والذوبان بين ليلة وضحاها. لقد كانت أسباب هذه الحرب متعددة مثلما كانت الحرب اللبنانية في أواسط السبعينيات والتي دخلت فيها جملة عوامل، وكان لها عدّة صفات، كما كانت حصيلة عدة أسباب. لكن الكل كان يجمع على أنّ تركيبة النظام السياسي اللبناني كانت هي المسئولة عن توفير المناخ المناسب للتدخل الخارجي وللعوامل السلبية الخارجية. ألم يكن ذلك حقيقة قائمة أيضا في الحالة العراقية. فالحرب لم تكن بين خيرٍ وشرّ، بين حقٍّ وباطل، بل كانت غزوا وأسلوبا باطلا على بلد حكمه بالباطل من قام بدوره بعدوانٍ على شعبه وجيرانه. فما يُبنى على خطأ لا يمكن أن يؤدّي الى نتائج صحيحة . لقد كانت حروب الخليج الثلاث بمثابة حرب واحدة بفصولٍ ثلاثة: الفصل الأول مع ايران. الفصل الثاني في غزو الكويت. الفصل الختامي بالحرب التي أنهت النظام البعثي الصدامي في العراق. هي حربٌ واحدة بفصولٍ ثلاثة، أرتبطت فيها نتائج حظر النفط عام 1973، مع الثورة الايرانية وتحدّيها لاميركا، مع سقوط الاتحاد السوفييتي وسعي واشنطن للهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية على العالم ككل. لكن، هل كان تحول أميركا من داعم كبير لنظام صدام حسين في حقبة الثمانينيات الى مواجهة له فيما بعد، يعني أن يكون ذلك مبرّرا للوقوف مع هذا النظام كما كما فعلت بعض المنظمات والشخصيات العربية ؟ فكيف نفسّر في هذه الحال موقف جمال عبد الناصر الذي وقف ضدّ نظام حكم عبد الكريم قاسم في العراق عام 61 حينما هدّد بغزو الكويت، وكانت بريطانيا أشدّ أعداء مصر عبد الناصر آنذاك تقف ضدّ نظام عبد الكريم قاسم أيضا وحول الموضوع نفسه اضافة الى علاقة قاسم مع المعسكر الشيوعي ؟ فحرب العام 2003 كانت مزيجا من خطايا ممارسات وحروب الماضي بالنسبة للحكم العراقي، وخطايا حروب الحاضر وسياسات الماضي بالنسبة للادارة الأميركية، وهذا المزيج من الخطايا لن يولّد أيّة نتائج صحيحة، لا للعراق وللعرب ولا لأميركا وللعالم . هل صحيحٌ أنَّ الحرب على العراق هي بمثابة هزيمة كبرى للأمّة العربية؟ أوّلا يفترض أصحاب هذا القول أنّ الأمّة كانت في وضع طبيعي؟! وهل صحيحٌ أنَّ سقوط النظام في العراق هو أيضا سقوط للعراق؟ ألا يفترض القائل بذلك أيضا أنَّ العراق كان «مرتفعا» في ظلّ النظام السابق؟! أيضا وأيضا، أصحيحٌ أنَّ الاحتلال الأميركي الآن للعراق هو بداية الهيمنة الأميركية على المنطقة؟ أوَلا يُفهم من هذا القول أنَّ المنطقة كانت، قبل ذلك، خارج هذه الهيمنة سياسيا واقتصاديا بل حتى أمنيا وعسكريا؟! ثمّ أصحيحٌ أنّ الاحتلال الأميركي للعراق يعني اسقاطا للشرعية الدولية . أين كانت اذن هذه الشرعية خلال العام الماضي حينما اجتاحت قوات الاحتلال الاسرائيلي مدن وقرى الضفة الغربية. أيضا، لِمَ ظهرت الصدمة الكبرى على أوجه وكتابات العديد من المحلّلين السياسيّين والكتّاب العرب عقب السقوط العسكري السهل لبغداد، وكأنّهم كانوا يراهنون على صمود النظام السياسي في العراق بل على الأمل باستمراره رغم ما قام به هذا النظام من استبدادٍ داخلي ضدّ العراقيين. هذه التساؤلات لم تجد بعد الاجابات عنها رغم مرور فترةٍ من الزمن كانت كافية لكي تبدأ المنطقة العربية، وبكلّ فعالياتها الرسمية والشعبية، بالنقد الذاتي بل بالاصلاح الذاتي الذي دونه لن تستقيم حال الأمّة العربية ولا أوضاع أوطانها. فالأعطاب على مستوى الحكومات والمعارضات ما زالت مستمرة، والمواقف الخاطئة تتكرّر، والمراهنات الخاسرة تتجدّد منذ نهاية حرب الخليج الثانية، فلا يمكن مواجهة تحديات الخارج ما لم يخرج الداخل العربي نفسه من حال الجمود والعجز والانقسام. المدخل لمستقبل عربي أفضل هو الاصلاح السياسي الذاتي لأنظمة الحكم ولمؤسسات المعارضة. ـ مدير مركز الحوار ـ واشنطن