الاثنبن 18 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 19 مايو 2003 بعض الناس يؤثرون العيش على هامش الحياة او على اطرافها يدخلونها ثم يخرجون منها دون ان يدري بهم احد، الا ان آخرين يصرون على ان يكونوا جزءاً من صخبها مهما كانت تكلفة ذلك، ومن هؤلاء النائب العمالي البريطاني البارز جورج غالوي الذي يعتبر اشهر نواب البرلمان البريطاني الآن ليس داخل بريطانيا وانما خارجها، فالرجل يتمتع بحضور وذكاء ودعابة وعناد وثقافة مميزة حينما التقيت به للمرة الاولى في مارس من العام الماضي 2002 حيث حل ضيفا على برنامجي «بلا حدود». كان لقائي به في مبنى البرلمان وقد خرج ينتظرني على الباب الرئيسي وما ان رآني حتى قال لي متهللاً: «مرحبا بك في مقر المؤامرات على الدول العربية» وقبل ان افيق من هول الترحيب الذي بدا غريباً لي من عضو في البرلمان البريطاني اضاف غالوي وهو يأخذني من يدي داخل اروقة البرلمان «هنا حيكت مؤامرة سايكس بيكو ومن هنا خرج وعد بلفور ومن هنا ايضاً قرروا تقسيم فلسطين وسآخذك الآن في جولة الى حيث كان يجلس ويتحرك المتآمرون». كانت تصحبنا زوجته الفلسطينية الأصل الدكتورة أمينة ابو زياد، وقد وجدت غالوي يعرف عن تاريخ فلسطين ربما احداث لا يعلم بها كثير من السياسيين العرب، واذكر ان مقابلتي معه اثارت ردود فعل هائلة في العالم العربي وكتبت عنها مقالات كثيرة غير ان ما لفت انتباهي هو ما كتبته الصحف البريطانية عنها حتى ان صحيفة «ميل أون صانداي» التي يكتب فيها غالوي كتبت بأسلوب سلبي عن تصريحاته حول علاقة بلير مع بوش وحينما لقيته وجدته غير مهتم كثيراً الا انه قال لي «ان الذين يقولون آراءهم بحرية يترصدهم الجميع وكثير من هذه الكتابات تكون تسريبات من اجهزة اكثر منها آراء كتاب.. المهم ان يبقى رأيك حراً ولا تلتفت لهؤلاء». بدأ جورج غالوي حياته السياسية في وقت مبكر حيث انتمى لحزب العمال وكان عمره ثلاثة عشر عاماً ولم يبلغ السادسة والعشرين حتى كان اصغر رئيس لحزب العمال في اسكتلندا حيث ولد هناك عام 1954 وفي العام 1987 اصبح عضواً في البرلمان البريطاني عن حزب العمال وحتى الآن حيث يرأس اللجنة البرلمانية للصداقة بين بريطانيا والبرتغال ونائباً لرئيس لجنة الشئون الخارجية في البرلمان ورئيساً للمنتدى البريطاني العراقي ومنسقاً للجنة الطوارئ الخاصة بالعراق وفلسطين وهنا مربط الفرس كما يقال فقد اختار غالوي ان يكون مناصراً لأهم قضيتين يقف الغرب ضدهما وهما فلسطين والعراق، وقد بدأ بدعم القضية في وقت مبكر حيث توأم مدينتي نابلس الفلسطينية و«داندي» البريطانية مسقط رأسه عام 1980 ورغم الزوابع التي ثارت ضده الا انه اصر على رفع علم فلسطين فوق بلدية داندي ولم يحل ذلك دون اختياره في العام التالي رئيساً لحزب العمال في كل اسكتلندا وفي العام 1985 بدأت العواصف ضده حيث كان أميناً عاماً لاحدى الجمعيات الخيرية عام 1983 ودخل في نزاع قانوني معه كسبته الجمعية الا ان غالوي خرج قوياً رغم خسارته لزواجه الاول، ثم تكاثرت عليه الادعاءات والشكاوى والاتهامات من كل حدب وصوب بعدما وقف بقوة ضد الحرب على العراق عام 1991 وقاد عدة حملات بعدها لكسر الحصار المضروب على العراق كان من اشهرها «قافلة مريم» الطفلة العراقية التي حاولوا بعد ذلك توريطه في الاموال التي جمعها لعلاجها وقد أقام الدنيا ولم يقعدها في بريطانيا والدول الغربية حينما ظهر على التلفزيون العراقي مع الرئيس السابق صدام حسين وهو يقول له «سيدي.. انني احيي شجاعتك وقوتك ومثابرتك التي لا تعرف الكلل.. اريدك ان تعلم اننا معك حتى النصر.. حتى القدس» وفي البرلمان البريطاني فجر غالوي قضايا كثيرة لصالح فلسطين منها مبيعات الأسلحة البريطانية لاسرائيل واستخدامها في قتل المدنيين الفلسطينيين بما يخالف القانون البريطاني، وكان في كل زيارة يقوم بها للعراق او الشرق الاوسط تكون فلسطين محطة اساسية فيها وبالتالي كان غالوي عرضة لاتهامات ودعاوى كثيرة لم تربطه فقط بالعراق وانما ربطته عام 1996 مع بنازير بوتو رئيسة وزراء باكستان السابقة غير ان الاتهام الاخير الذي وجهته صحيفة «ديلي تلغراف» مدعية عبر مراسلها في بغداد الحصول على وثائق تثبت ان غالوي كان يتقاضى سنوياً من النظام العراقي 375 ألف جنيه استرليني كانت هي الاخطر غير ان صحيفة «ميل أون صنداي» نشرت في 11 مايو انها «اكتشفت ادلة على ان الوثائق التي تجرم جورج غالوي قد تكون مزورة» وقد رفع غالوي قضية على «الديلي تلغراف» وأصبح بعد وصفه لبلير وبوش بالذئبان وتعليق عضويته في حزب العمال هو القصة الرئيسية هنا في الصحف البريطانية التي وجدته القصة الرئيسية بعد قصة الحرب، لكن غالوي الذي يرفض الحياة الهادئة ويصر على ان يكون جزءاً من صخب الحياة يعيد اتهامات «الديلي تلغراف» الى مالكها الكندي «كوزاء بلاك» الذي يملك ايضاً صحيفة «جيروزاليم بوست» الاسرائيلية والمؤيد بشدة لسياسة اسرائيل وصقور البيت الابيض اليمينيين، وانه سيواجههم بالأدلة والوثائق في المحاكم.. ان هناك عشرات الجبهات المفتوحة على جورج غالوي الآن والتي تهدد بالفعل مستقبله السياسي وتضعه تحت وطأة ضغوط شديدة يصعب على رجل تخلى عنه حزبه ان يواجهها علاوة على انه اختار خياراً صعباً هو خيار مناصرة الضعفاء لكنه يصر على الاستمرار في طريقه مهما كان الثمن.. ثمن مناصرة الضعفاء. ـ كاتب واعلامي مصري