الاثنبن 18 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 19 مايو 2003 لماذا وعدت الولايات المتحدة الأميركية بولندا بحكم ثلث العراق تحت إشرافها العام، في حين أن بولندا لم تقدم الكثير للولايات المتحدة الأميركية في حربها على العراق: «تسهيل مهمات الطيران الحربي الأميركي والمشاركة بمئتي جندي فقط في الحرب؟! ولماذا كان التهليل الأميركي للمشاركة البولندية منذ البداية كبيراً وضُخِّم من بعد بشكل ملحوظ؟! هل لأنها طليعة الشركاء الجدد في حلف شمال الأطلسي؟؟ أم لأنها تمثل اوروبا الحديثة، البديل المغري لاوروبا القديمة وفق وصف رامسفيلد، حيث تبدي استعدادها هي وسواها من دول اوروبا الشرقية كلها، التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي السابق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكي تكون مناطق نفوذ واستثمار أميركية، وموقعاً للقواعد العسكرية الأميركية، بكلفة أقل بكثير مما تدفعه في اوروبا الغربية وبترحيب كبير ومفتوح المدى بما لا يقاس، بدلاً من القواعد المقامة في اوروبا الغربية فيما إذا فكر الأميركيون بالتخفيف من قواتهم في اوروبا الغربية بعد الخلاف الذي نشأ بين الحلفاء بسبب الحرب على العراق وما زال يتفاعل على نحو ملحوظ، لا سيما وأن في دول اوروبا الشرقية خصائص إضافية تلبي احتياجات الاستراتيجية الأميركية الجديدة ومن ذلك: ـ أنها كانت في حلف وارسو ومن ثم لديها قوة بشرية مدربة يمكن الاستفادة منها عسكرياً بتكاليف زهيدة. ـ وتقع على حدود الاتحاد الروسي من جهة وعلى حدود الدول الإسلامية التي أعلنت عليها الولايات المتحدة حربها الخفية أو المعلنة حسب البرنامج الزمني المنسجم مع استراتيجيتها من جهة أخرى، وهي بذلك تهيئ للولايات المتحدة الأميركية منفذاً جغرافياً مباشراً لجبهات عدة منها اوروبا الغربية ذاتها. فضلاً عن أن في ذلك شيئاً من التحذير لبعض دول اوروبا الغربية، لا سيما فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وهي الدول التي بدأت تحركاً لإقامة كتلة دفاعية خاصة حتى ضمن الاتحاد الأوروبي، وهي أعضاء في حلف شمال الأطلسي. أوروبا الجديدة لماذا أعطت الولايات المتحدة الأميركية هذه الميزة لبولندا في العراق، وما هي المنطقة العراقية التي أعطي للبولنديين حكمها؟؟ الجواب عندي يكمن في النفوذ الصهيوني الذي كان وراء الحرب على العراق من جهة، ووجود كتلة يهودية متعصبة وغير ظاهرة على السطح الإعلامي العالمي في بولندا ووجود كثافة يهودية هناك هي على صلة سياسية وطيدة ونفوذ كبير مع الكيان الصهيوني منذ العهد السوفييتي حتى الآن من جهة، وفي كون هذا المركز يعطى لبولندا في العراق هو عملياً يُعطَى «لإسرائيل» تحت واجهة بولندية ليكون اليهود الصهاينة هناك في العراق قديمه وحديثه، يعبثون بما يشاءون كيفما يشاءون. إن المستقبل والتتبع الدقيق سوف يكشفان كم هي بعيدة أهداف هذا التكليف وكم هي عميقة أثاره ثقافياً وحضارياً، وقد نستيقظ يوماً فنجد كل آثار «نبوخذ» نصر وبابل في تل أبيب، ونجد أن ما لم يمكن نقله من هناك قد دمر تماماً، وسنقف على مدى التدمير الذي سيلحق بآثار عراقية من العصور التي لا ترغب الحركة الصهيونية في أن تبقى في العراق ولا في متناول الباحثين في العالم. معظم القوائم الخاصة بالمتاحف، ومعظم الآثار الموجودة في المتاحف سرقت، والكثير من تلك القوائم على الخصوص قد دمِّر تماماً في أثناء الفوضى التي عمت بغداد ابتداء من التاسع من شهر ابريل 2003، ولم يكن ذلك عملاً عفوياً أو مجرد فوضى دبرها أشخاص.. فقد كانت فوضى منظمة وراءها فاعلون يخططون لذلك منذ بدأ التخطيط للحملة الأميركية البريطانية على العراق، وفي أحد المؤتمرات الصحفية التي عقدت في البنتاغون سأل شخص يتخفى في جلد صحفي: هل هناك تفكير بأن تعمل الولايات المتحدة الأميركية على تعديل القوانين العراقية بحيث يسمح بنقل الآثار من العراق؟ كان ذلك في بداية الحرب وقبل وقوع الفوضى بعد سقوط بغداد ونهب متحف بغداد والموصل وبقية المرافق الثقافية والجامعات والمستشفيات والمؤسسات الرسمية.. إلخ. وإذا كان اليهود سيحكمون ويتحكمون من خلال الأميركيين، وهذا واضح حتى من خلال ما ورد في خريطة الطريق وما تعرض ويتعرض له الشعب الفلسطيني ومقاومته من قتل وتدمير وضغط، وكذلك ما تتعرض له المنطقة من تهديد ووعيد وضغط، منذ طرحت تلك الخريطة، وكله في مصلحة الكيان الصهيوني وخدمته. الهيمنة على المنطقة خريطة الطريق مطروحة منذ أسبوعين وقد أيدها الفلسطينيون ولم يعلن الصهاينة بشأنها شيئاً، ولكن شارون سجل رأيه في اليوم التالي لتقديمها بدم خمسة عشر شهيداً فلسطينياً وعشرات الجرحى في غزة، وهو يسجل رأيه حولها يومياً بالدم والدمار المعلنين وبالاغتيال، وسوف يستمر في ذلك حتى بعد زيارته للبيت الأبيض في العشرين من الشهر الحالي حيث يرتب الآن باتجاهين: ـ قتل من يستطيع قتله من الفلسطينيين وتدمير أكبر قدر ممكن من بيوتهم، والاستمرار في الاستيطان، وتوسيع دائرة الضغط عليهم مع ذلك ليخوضوا حرباً أهلية مطلوب خوضها ومرفوضة حتى الهدنة بين أطرافها. ـ حشد القوة الضاغطة الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية ليعدل الرئيس بوش الخطة أو ليدفنها في الصمت، على الرغم من كونها مجحفة بحق الفلسطينيين، وعليه أن يفعل ذلك وهو على أعتاب حملته الانتخابية الجديدة.. لأن شارون يريد أن يستثمر الحرب الأميركية على العراق ضد العرب عامة والفلسطينيين خاصة إلى أبعد الحدود، ويقضي على كل أمل للفلسطينيين، ويطوّع العرب والإيرانيين لإرادته ويجبرهم على قبول مطالبه إن استطاع. وباول في المنطقة من جديد ليروج مصالح أميركية وإسرائيلية تتصل بإحكام السيطرة الاستعمارية على العراق، وجعل الدول العربية تضغط على الفلسطينيين لإنهاء المقاومة والانتفاضة بينما تستمر «إسرائيل» في القتل والتدمير والاستيطان، وقد اتضح تماماً أنه لم ينتزع من شارون حتى مجرد كلمة ايجابية حول الخريطة البائسة، بل عمل على أن تخضع البلدان العربية وتضغط على الفلسطينيين لتخضع لما تريده الولايات المتحدة الأميركية وهو أصلاً ما تريده الحركة الصهيونية من أجل سيادة الكيان الصهيوني، وأمنه، والاعتراف به وتطبيع العلاقات معه، وهيمنته على المنطقة. والسؤال المضاف إلى السؤال الأول الرئيسي: هل سيصل المتطرفون وعلى رأسهم رجال البنتاغون والحرس اليهودي من مستشارين ومسئولين وباحثين وإعلاميين وممولين، صهاينة ومتصهينين، إلى زج الشعب الأميركي في حرب جديدة من أجل «إسرائيل» وهيمنتها، أم أن الرئيس بوش ومن يعتمد عليهم في حملته الانتخابية سوف يرون أن التوجه نحو الضغط والتلويح بالتهديد والإعداد والاستعداد لعدوان قادم على سوريا وإيران ينبغي أن يستمر إلى أن يحين القيام بالعمل في الوقت الملائم.. إذ لا بد أولاً من خلق الذرائع، والقيام بخطوات تضعف الخصم ومنها الحصار الاقتصادي والعسكري ونزع السلاح، وتشويه الصورة الدولية للبلد المستهدَف، وترتيب وضع العملاء والمتعاونين والمستفيدين من فتات المائدة الذين سينقضون مع الذئاب على الفريسة، وتهيئة الخطط الإعلامية والمناخ الإعلامي العام قبل العدوان وفي أثنائه وبعده، وتهيئة ظروف داخلية في الموقعين المعتدي والمعتدى عليه.. وإنه إلى أن يتم ترتيب كل ذلك سيعمل بوش على تحسين صورته وصورة بلاده، وسوف يضع على وجهه قناع الحمَل، ويدخل الحملة الانتخابية على أرضية اقتصاد أميركي قوي، وصورة «أخلاقية» كبيرة تقدمه منقذاً ومحرِّراً وإنسانياً ومكلفاً برسالة إلهية أنجز جزءاً منها وعليه أن يستمر في حملها لينجز الباقي؟! وسوف يستفيد من درس العراق ويستنفده بل يستنزفه بتهديد الآخرين.. ومن ثم يفوز بالانتخابات. الاعداد للمواجهة لقد قرأنا الدروس وفهمناها منذ بداية القرن العشرين، وربما أتيحت لنا فرص قراءتها بالمعايشة المباشرة منذ نيف وخمسين سنة وحتى عراق الأمس القريب، وأنا لم أعد أعلق أهمية على التعمق في التحليل والتفسير ومتابعة كلام الأميركيين والإسرائيليين والتوقف عند حدود ذلك وتلمس فهم جديد للاستراتيجية والأهداف، وإذا كان ذلك مطلوباً بشكل مستمر فإنه ليس الأولى بالاهتمام بعد أن اتضحت الصور والأهداف والاستراتيجيات تماماً، لأنني أعرف أن كل ما يتم هو تخطيط للاحتلال وتمويه من أجل المباغتة في الحرب وتحقيق انتصار جديد على العرب، وبيد العرب إن أمكن. من حق الانظمة العربية أن تناور ومن واجبها أن تحاور لكي تبعد شبح الموت والدمار عن أوطانها وشعوبها، ولكن من حق الذين سيدفعون تكاليف العدوان دماً ودماراً ومعاناة وذلاً أن يأخذوا طريقاً أخرى، لأن العدوان واقع والقضية قضية زمن وبرمجة وظروف، فالعداء للأمة العربية والدين الإسلام والثقافة والهوية لم يعد مجرد أوهام أو قضايا تحتاج إلى الحوار من أجل القضاء على مسبباتها، ذلك لأن مسبباتها في التكوين الاعتقادي والتخطيط الاستراتيجي العدواني العميق الغور في التكوين التربوي والثقافي والعقائدي للأميركيين المتصهينين والصهاينة الذين يختطفون قرار الشعب الأميركي وقواه العسكرية وغير العسكرية وطاقاته العملاقة، ويوظفونها لتحقيق ما يرون أنها رسالة «إلهية وحضارية.. رسالة الحرية والديمقراطية.. إلى غير ذلك من الذرائع والادعاءات» بصرف النظر عن الذرائع التي سيتلهى بمناقشتها وتفنيدها وتسويقها أحياناً الكثيرون من العرب الذين يضعفون أمتهم لأسباب كامنة في قصر النظر وضعف النفوس، وتبعية مقيتة يقوم بها البعض لمجرد استعراض العضلات. أريد أن ننصرف للإعداد العملي الكفيل بتحقيق مقاومة للدفاع عن النفس والأطفال والوطن.. للدفاع عن العمران والحضارة، ولاتخاذ الخطوات الكفيلة أيضاً بتحقيق صمود بوجه القوة الغازية يدرأ عنا ذل الهزيمة من دون قتال أو ذل الهزيمة في القتال، وإذا ما نجحنا في تحقيق نصر معنوي من جراء إلحاق خسائر كبيرة بالعدو فإن ذلك سيكون مفتاح التأسيس لمقاومة ونهضة في صفوف الأمة مستقبلاً تجعلان المحتل لا يرتاح في الأرض، وعملاءه لا يطمئنون في الحكم، والبلد والأمة يشعران بإمكانية استعادة الحرية والاستقلال والمبادرة وطرد المحتلين من أرض العرب والمسلمين، وحماية العروبة والإسلام بعد استعادة العافية لعلاقتهما العضوية التي كان إضعافها جزءاً من الخطط الاستراتيجية المعادية للأمة العربية، أو القومية والدين، نهض بها كثيرون ممن يعملون لمصلحة الأعداء بوعي منهم أو من دون وعي. إن العمل منذ الآن على إعداد النفوس والقدرات من أجل مواجهة القادم من كوارث الحروب العدوانية الأميركي ـ الصهيوني، واجب.. بل فرض عين، وكل دقيقة لا نقوم لا نستثمرها في العمل من أجل تلك المواجهة سوف تتحول قوة للعدو موجهة إلى صدورنا. «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون». ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب