الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 قال أبو سليمان الداراني: لا تصحب إلا أحد رجلين. رجلاً ترفق به في أمر دنياك. أو رجلاً تزيد معه وتنتفع به في أمر آخرتك. والاشتغال بغير هذه حمق كبير. وأما الحريص على الدنيا فصحبته سم قاتل. لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه. فمجالسة الحريص على الدنيا تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا، فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا، وتطلب صحبة العلماء والحكماء. قال الحسن بن علي قاضي مَرْو: كان أبو حنيفة من أفطن الناس، وذلك أن رجلاً كان يتجمّل بالستر الظاهر والسمت البيِّن، وكان يُلبَسُ على ذلك، فقدِمَ رجل فأودعه مالاً خطيراً وخرج حاجاً، فلما قضى نُسكه عاد الى صاحبه وطلب وديعته فجحده، فألحّ عليه فتمادى، وكاد يهيم الرجل، واستشار ثقة فقال له: كُفَّ عنه وصر إلى أبي حنيفة فدواؤك عنده، فانطلق الرجل إليه وخلا به وأعلمه شأنه وشرح له قصته، فقال له أبو حنيفة: لا تُعْلِمْ بها أحداً، وامض راشداً وعد إليّ في الغد، فلما أمسى أبو حنيفة جلس كعادته واختلف الناس اليه، فجعل يتنفس الصعداء كلَّما سئل عن شيء، فقيل له في ذلك قال: إن هؤلاء ـ يعني السلطان ـ قد احتاجوا الى رجل يبعثونه قاضياً الى مكان، فقال الناس: اختر من احببت فما يحضرك إلا نجم، ثم أسبل كُمَّهُ وخلا بصاحب الوديعة وقال له: أترغب حتى أسميك؟ فذهب يتمنّع عليه، فقال له أبو حنيفة: اسكت فإني أبلغُ لك ما تريد، فانصرف الرجل مسروراً يظن الظنون بالجاه العريض والحال الحسنة، وصار ربُّ المال الى أبي حنيفة فقال له: امض الى صاحبك ولا تخبره بما بيننا ولوّح بذكري، وكفاك، فمضى صاحب الوديعة الى الرجل واقتضاه وقال: اردد عليّ مالي وإلا شكوتك إلى أبي حنيفة، فلما سمع الرجل ذلك وفّاه ماله، فصار الرجل إلى أبي حنيفة وأعلمه رجوع المال إليه، فقال: استر عليه، ولما غدا الرجل إلى أبي حنيفة طامعاً في القضاء، نظر إليه أبو حنيفة وقال: إنه قد نظرتُ في أمرك فرفعت قدرك عن القضاء. قال أبو عمران الجونيّ: جاء يهودي إلى عمر بالشام فقال: يا أمير المؤمنين، أهذا في العدل؟ أخذتم كسبي وأنا قويّ، حتى إذا ما كبرت سني، وضعف ركني، تركتموني أهلك ضيعة؟! فقال عمر: ما أنصفناك، ففرض له فريضة وأمر عامله أن يجريها شهراً بشهر. قال ابن عباس: خطب عمر فقال: إياكم والبِطْنَة فإنها مَكْسَلةٌ عن الصلاة مَفْسَدةٌ للجسم مؤدِّية إلى السّقم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد عن السَّرَف وأصحُّ للبدن وأقوى على العبادة، وإن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه. أبو صخر abusakher@albayan.co.ae