الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 بين أشرطة الفيديو المتناثرة خارج علبها، والأفلام السينمائية المبعثرة على الأرض، شاهده الجميع عبر شاشة التلفزيون يقف متأثراً، وسط ركام تلفزيون بغداد، وقد غطت وجهه تعابير الحزن والألم والحسرة. اسمه ـ كما كان مكتوباً على الشاشة ـ مصطفى عبيد، يعمل مخرجاً بالتلفزيون العراقي، أما المشهد فقد صوِّر بعد سقوط بغداد في أيدي القوات الأميركية، وقد ظهر فيه مبنى التلفزيون مقصوفاً منهوباً محترقاً، أشرطة الفيديو وأفلام السينما ملقاة على الأرض في فوضى عارمة، سرق اللصوص الأجهزة والمعدات لأنهم رأوا فيها ما يمكن أن يوفره لهم بيعها من عائد مادي، وبعثروا الأشرطة والأفلام على الأرض بعد أن ساموها خسفاً لأنهم لم يعرفوا القيمة المعنوية التي يمكن أن تحتويها الأعمال الفنية ـ وغير الفنية ـ المسجلة عليها. هكذا هم اللصوص دائماً.. لا يقيمون وزناً إلا للماديات.. وتلغى من حساباتهم كل القيم التي لا تحمل أرقام البنكنوت، فيدوسونها بأقدامهم، ويطأونها بأحذيتهم، ولا يقيمون لها وزناً. لو عرف أولئك اللصوص عدد الليالي التي سهرها مصطفى عبيد وزملاؤه لتسجيل مشاهد معدودة من عمل درامي ربما لا تفي بحلقة واحدة من مسلسل تلفزيوني يشاهدها الناس في ساعة أو أقل من ذلك، وهم متكئون على الأرائك يحتسون أكواب الشاي، لاستغربوا. ولو عرفوا عدد الأيام التي يقضيها مخرج مع طاقمه الفني لتصوير أغنية تمرق بين فقرات البرامج في دقائق معدودة لربما راجعوا أنفسهم قبل أن يقذفوا بشريطها خارج علبته لتطأه أحذيتهم، هذا إن لم يكونوا حفاة. إنه الفرق بين أولئك الذين تترك الحضارة خطوطها وآثارها على ملامح نفوسهم، فيعرفون للأشياء قيمتها المعنوية قبل أن يزنوها بالمادة، وبين أولئك الذين لم تعرف الحضارة طريقها إلى عقولهم وجدران نفوسهم فراحوا يعيثون في الأرض فساداً. وهو الفرق نفسه الذي جعلنا نرى ذلك المسئول في متحف بغداد يضرب رأسه بجدران المتحف ويذرف الدمع حسرة على ما نهب منه من آثار ومخطوطات، بينما راح اللص يحطِّم ما لم يستطع حمله من محتويات المتحف، ويتركها ركاماً على الأرض، شاهدة على مدى ما يتصف به من همجية وكره للحضارة الإنسانية. ربما لا يعرف الكثيرون أن العراق هو أول دولة عربية دخلها التلفزيون عام 1958، يليه لبنان عام 1959، ثم مصر عام 1960. ومع هذه الريادة التي تمتع بها تلفزيون بغداد فقد مر بفترات هبوط أكثر مما شهد فترات ازدهار تبعاً للظرف السياسي الذي كان يعيشه العراق، ولكنه رغم هذا الظرف الخانق لأي عمل إبداعي قدم أعمالاً درامية كثيرة احتلت في مرحلة السبعينيات وحتى أواخر الثمانينيات شاشات الكثير من التلفزيونات العربية، لاسيما الخليجية منها، وظل ينقص التلفزيون العراقي دائماً هامش الحرية الذي لا يزدهر الإبداع إلاّ باتساعه، شأنه في ذلك شأن كل التلفزيونات العربية الحكومية المرتبطة بالسلطة، على اختلاف درجات هوامش الحرية المتاحة لها من بلد إلى آخر. ولأن المجال ليس مجال تقييم أداء التلفزيون العراقي، الذي لم يؤد أداء جيداً أثناء الحرب الأخيرة على وجه الخصوص، كما شاهدناه جميعاً عبر فضائيته، فإنني أعود إلى صديقنا المخرج العراقي مصطفى عبيد الذي ظهر في ذلك التقرير التلفزيوني بين أنقاض المبنى الذي قضى فيه ربع قرن من عمره، كما قال، لأتناول الموضوع من الجانب الذي كنت منذ البداية أريد أن أتناوله منه، وهو مدى ارتباط الإنسان بمكان عمله الذي غالباً ما يصبح جزءاً من تكوينه كلما كان حبّه لعمله كبيراً. في ذلك التقرير، رأينا مصطفى يتحدث عن مكان عمله، الذي تحول إلى أشلاء، بحب لو وزِّع على قطاع كبير من الموظفين لاختلف أداؤهم، وأصبح العمل بالنسبة لهم ليس مجرد وظيفة يعتاشون من ورائها، وينتظرون آخر الشهر ليتسلّموا رواتبهم منها فقط. كان مصطفى عبيد ـ في التقرير ـ يستدعي ذاكرة المكان وهو يتحدث عن أيام قضاها في ذلك المبنى، وعن ليال سهرها بين استوديوهاته وغرف المونتاج فيه، وعن أعمال عاش مراحلها المختلفة منذ أن وُلِدت فكرة، وحتى اكتملت واحتلت مكانها على أرفف مكتبة التلفزيون. ثمة وظائف لا تشكل بالنسبة لمن يعمل بها أكثر من توقيع حضور في الصباح، وكرسي ومكتب يتحمل الموظف الجلوس عليهما على مضض حتى يحين موعد الانصراف ليودعهما بتوقيع آخر. وثمة وظائف لا تعترف بمواعيد الحضور والانصراف المتعارف عليها، تطلع الشمس على من يمارسونها وتغيب، وهم في حالة عشق دائم معها، لا يغادرون أماكنهم حتى ينجزوا ما هم منغمسون فيه إلى أن يتم إنجازه. من هذه الوظائف ـ كما عرفتها ـ العمل في أجهزة الإعلام، صحافة كانت أو إذاعة أو تلفزيون. ليس لكل من يعمل فيها بالطبع، وإنما لأولئك الذين يعشقونها، فلا يعود العمل عندهم ساعات حضور يستقبلونها بوجوه مكفهرة ويستدبرونها بأسارير منفرجة، ولحظة انصراف يترقبونها بلهفة، وإجازات أسبوعية وعطلاً رسمية وأخرى عارضة ينتظرونها بشوق بالغ. وعلى ذلك تستطيع أن تقيس وتصنِّف فئات الموظفين الذين تلتقي بهم وتشاهدهم في كل مكان، متعاملاً معهم أو راصداً لتصرفاتهم وطريقة تعاملهم مع البشر الذين تقودهم الأقدار إليهم. لو أحب قادة الوطن وطنهم بالقدر نفسه الذي رأينا ذلك المخرج المفجوع يتحدث به عن مكتبة تلفزيونية عمرها 45 عاماً تناهب محتوياتها وألقى أشرطتها على الأرض لص عابر في لحظة انهيار للنظام، لكان الوطن قد تفادى الوصول إلى تلك اللحظة التي أصبح فيها الوطن كله في مهب الريح منهوباً ومحتلاً وعارياً. ولكنها المأساة.. مأساة شعب ووطن أضاعه بعض أبنائه عندما حرموا أهله من الحرية وساموهم شتى أنواع القهر والإذلال، وشردوهم في جهات العالم الأربع، تشهد على ذلك تلك الرسائل التي يوجهها أبناؤه المقيمون فيه، عبر ميكروفونات الإذاعات وشاشات الفضائيات، إلى أهلهم وذويهم وأصدقائهم الموزعين بين مدن المعمورة، تتقاذفهم الأمواج في قوارب اللاجئين، وتصدّهم موانيء العالم، ويعيشون تحت الفقر، يستورد لهم الحكام من أميركا وبريطانيا والدنمارك وبولندا بعد أن أضاعهم حكامهم، في الوقت الذي تمتد فيه حضارتهم إلى آلاف السنين مشرِّعين للعالم القوانين ويقفون في طوابير أمام مكاتب المؤسسات الخيرية والمنظمات الإنسانية، بينما تدوس أقدامهم على خُمس احتياطي العالم من النفط الذي تحتويه أرضهم.. لكأني بهم هم الذين عناهم الشاعر حين قال: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمولئ aliobaid2000@hotmail.com