الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 ازدادت في الفترة الأخيرة نغمة الحديث عن الديمقراطية باعتبارها الجنة الموعودة التي ستحل علينا في العالم العربي الذي تعود أزماته في الدرجة الأولى لغياب الديمقراطية.. والجدير بالذكر أن هذا الموضوع لم يشغل بال الكتاب والمحللين فقط ولكن شغل أذهان الساسة الذين سارع بعضهم بتشكيل مجلس قومي لحقوق الإنسان، وقام آخر بتغيير وتعديل الدستور وحاول العديد منهم الإيحاء بإجراء تعديلات للتوجه نحو الديمقراطية بما يتماشى مع رياح التغيير التي تهب علينا عاتية بعد احتلال العراق من قبل القوات الأميركية والبريطانية مخلفة خيبة أمل واسعة في العالم أجمع الذي كان يحلم بجني ثمار العولمة التي تقرب بين أجزاء المعمورة وتفتح الحواجز والحدود وتبشر بعصر جديد من الرفاهية والرخاء فيعم السلام وترفرف المحبة بين أرجاء القرية الكونية الواحدة وينتهي عصر الصراعات والحروب التي عانت منها البشرية طويلا وإذا بالحلم الجميل يتحول فجأة إلى كابوس مزعج يضج مضاجعنا ويحرمنا النوم ويوسع هوة الخلاف ويباعد بين الأطراف ويجعلنا جميعا في حيرة لا نعلم متى تنتهي ولا كيف نواجهها؟ هل نحني رؤوسنا للعاصفة وندعها تمر ونرضى بالواقع أم يجب علينا أن نستعد لمواجهة طويلة الأمد ونهيئ أنفسنا لمقاومة طويلة الأمد مع الاستعمار الجديد الذي يحاول تكريس قيم وأفكار جديدة على مجتمعاتنا وأعرافنا وقيمنا؟ وقد أصبح هذا الموضوع الذي يحتل مساحة واسعة من فضائنا الإعلامي بين متشائم مما يدور حولنا ويدبر لنا ويراه مقدمة لبداية استعمار جديد يريد أن يحكم الطوق حول أعناقنا ولا يريد أن يكتفي بوضع يده على أهم ثروتنا ممثلة في النفط وعلى أسواقه وتوزيعه فيعطي من يشاء ويمنع من يقف في وجه الهيمنة الأميركية على العالم ولكن يريد أن يحفر أخاديد عميقة في رؤوسنا ليقتلع منها الفكر القديم المتخلف والرجعي الذي ورثناه عن أسلافنا ويصب بدلا منه فكرا جديدا يؤمن بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وبين متفائل مما جرى ويرى أن سقوط بغداد في يد قوات الاحتلال الأنجلو سكسوني في التاسع من إبريل الماضي كان بداية النهضة الحقيقية والتغيير المنشود في عالمنا العربي الذي عانى كثيرا من ويلات الاستبداد والأنظمة القمعية التي كان النظام العراقي السابق يمثلها بأبشع صورة وأقساها في التنكيل بالخصوم من أبناء الشعب العراقي هذه الأنظمة حالت دون هذا التغيير ودون تحقيق الاستقرار والتقدم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المنشود والحقيقة أن القوات الأميركية لم تحشد للمنطقة بهدف الاستيلاء على ثرواتنا واحتلال أراضينا وتهيئة المنطقة لهيمنة صهيونية تطلق فيها يد دولة الكيان الصهيوني تعربد كيف تشاء فتطرد الفلسطينيين من ديارهم إلى الأردن وتحكم سيطرتها على المنطقة باسم الشرق أوسطية التي بدأ بعض الكتاب يهلل لها باعتبارها فرصة حقيقية يجب علينا أن نغتنمها حتى نخرج من عزلتنا وتخلفنا الاقتصادي. وقبل مناقشة أصحاب الواقعية الذين أطلقوا على الاحتلال اسم التحرير لدرجة أن أحدهم كتب يقول إن نهضة بغداد بدأت يوم سقوطها في التاسع من أبريل في ايدي قوات العدو والحمد لله أن أميركا اعترفت باحتلالها للعراق وتطالب بحقها كقوة احتلال بالتصرف في مقدرات وثروات الشعب العراقي كما تشاء وتريد صياغة دستوره وفق رؤيتها وانتدبت بعض باحثيها للقيام بالمهمة كما شكلت لجنة من خبرائها لصياغة مناهج جديدة للتعليم العراقي وفق التوجه الجديد التي تريد أميركا فرضه على المنطقة كما أشار إلى ذلك المسئولون الأميركان الذين قالوا أن المنطقة سوف تعاد صياغتها من جديد في خلال السنوات العشر المقبلة بمعنى آخر فإن احتلالها للعراق يبدو أنه سيستمر في الأفق إلى ما لا نهاية لأنه لن تستطيع تشكيل المنطقة والضغط على المعارضين لخططها وهيمنتها إلا من خلال وجود مستمر سواء كان احتلالا دائما أو قواعد دائمة في العراق ولا فرق بينهما فكلاهما احتلال بصورة أو بأخرى فهل يريد أنصار الواقعية الذين يريدون لنا التخلص من العاطفة ولغة الخطابة والحماس التي جرت علينا النكبات والهزائم المتوالية أن نشكل في بلادنا حكومات ديمقراطية على شاكلة تلك الحكومة الانتقالية التي تسعى أميركا لتشكيلها في العراق من العراقيين المعارضين الذين دخلوا العراق على اسنة الرماح وفوق الدبابات الأميركية من أمثال أحمد جلبي الذي اختلف الأميركان في تصنيفه بين قائل بأنه عميل كما وصفته المخابرات الأميركية والخارجية الأميركية أو بين صقور البنتاغون الذين يرون أنه سيحقق لهم أحلامهم في العراق بالتعاون وعقد سلام مع دولة الكيان الصهيوني التي أعلنت أنها ستشكو الجلبي لأميركا لأنه يريد التنصل من وعوده. إن أنصار الواقعية يطالبوننا بالاستسلام الكامل للمخططات الأميركية الصهيونية فنسلم لهم عقولنا يشكلونها كما يشاءون ونفتح لهم أسواقنا لتكون سوقا استهلاكية لبضائعهم الراكدة التي تلقى مقاطعة ويتناسى المتباكون على الديمقراطية من أنصار الواقعية أنهم لا يقبلون الرأي الآخر الذي لا يصفق لهم ولا يروج لأفكارهم ويؤمر بالانبطاح أمام المخططات الأميركية الصهيونية للمنطقة فيرون أن كل من هاجم احتلال العراق عميل للنظام العراقي السابق وتجاهلوا عن عمد أن هؤلاء كانوا يدافعون عن شعب عربي عريق يتعرض للقصف ليل نهار هدمت بنيته الأساسية ونهبت بنوكه ومتاحفه تحت سمع ومرأى من العالم بطريقة مدبرة ومنظمة وكان الأولى بهم باعتبارهم من أنصار الواقعية المبشرين بالديمقراطية أن يتقبلوا الرأي الآخر ولا يتهمون معارضيهم بالعمالة والخيانة أو بالتخلف والرجعية وجرى تصنيف الناس وفق رؤيتهم بين حربجية وظواهر صوتية لأنهم يرفضون الانبطاح للمخططات الأميركية بالمنطقة ويناصرون مقاومة الاحتلال الصهيوني في فلسطين والاحتلال الأنجلو سكسوني في العراق ويصفونهم بأنهم يريدون التضحية بهذين الشعبين وبين عقلاء ومنصفين يقرءون الواقع ويعرفون قدراتهم فلا أحد يستطيع مقاومة أميركا أو الوقوف في وجهها وعصيان أوامرها باعتبارها القوة الوحيدة العظمى في العالم حاليا. والجدير بالذكر أن المتباكين على الديمقراطية من أنصار الواقعية يتجاهلون أدبيات الاستعمار الذي اكتوينا بناره جميعا منذ القرن الثامن عشر وعلى مدى القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين والذي كان يردد ما تردده قوات الاحتلال الأميركي بالعراق الآن من أنهم يهدفون تمدين المجتمع العربي الإسلامي وتخليصه من براثن الظلم والاستبداد العثماني والمملوكي ويتناسون خطاب نابليون بونابرت الذي وجهه إلى المصريين من البحر من أنه عبد الله بونابرت المسلم جاء لتخليص المصريين من ظلم المماليك..! أليست هي نفس الشعارات التي يرددها الأميركان الآن كما أن أدبيات الاستعمار ممتلئة بما يردده الأميركان من ضرورة تغيير الأفكار وتعليمنا الديمقراطية حتى نستطيع مواجهة التحديات المعاصرة ولم يقتصر الأمر على ذلك بل طالبوا كذلك بتطوير الإسلام وتعديله بما يناسب العصر. وهل صحيح تريد أميركا الديمقراطية بالعراق والبلاد العربية الأخرى؟ وإذا كان ذلك صحيحا فلماذا لم تدع شخصيات محترمة مجمع عليها من الشعب العراقي لتشكيل حكومة عراقية؟ وأين كان إخواننا الديمقراطيين قبل الاحتلال الأميركي للعراق؟ لم نشاهد أحدهم يستنكر المجازر التي راح ضحيتها آلاف العراقيين بين قتيل وجريح ولم نسمع أحدهم يحتج على ما تبثه الفضائيات من صور تمثل قمة العدوان والجبروت فكثيرا ما نشاهد صورة جندي أميركي أو بريطاني يعتدي على مواطن عراقي أو يقيده من الخلف فهل هذه هي الديمقراطية التي يبشروننا بها؟ وهل الاستبداد والظلم قاصر على النظام العراقي البائد أم أنه قاسم مشترك لكل بلدان العالم الثالث الذي ننتمي إليه بامتياز؟ وهل يمكن لقوات احتلال زرع بذور الديمقراطية وكأنها وصفة سحرية أو نبات شيطاني فتصبح دولا ديمقراطية! وإذا كانت الديمقراطية هي الجنة الموعودة التي يبشرنا بها أنصار الواقعية فلماذا لم تأخذ بها الصين أكب ر بلدان العالم كثافة سكانية وأعلى مستوى تنمية في العالم؟ ولماذا لم ترفع الديمقراطية من شأن الكثير من الدول التي أخذت بها كتركيا أقرب الدول إلينا فكريا وثقافيا رغم أنها تطبق النظام الديمقراطي الغربي منذ أكثر من خمسة وسبعين عاما؟ لماذا تعاني أزمات اقتصادية حادة ومشاكل اجتماعية حادة؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تبين أن أصحاب الواقعية الذين يبشروننا بالديمقراطية والذين يضيقون ذرعا بالرأي الآخر يبشرون بنموذج مزيف من الديمقراطية يهدف لبسط نفوذه وهيمنته على واقعنا ويستنزف ثرواتنا ويحولنا لسوق لتصريف منتجاته وحين تقوم ديمقراطية حقيقية نابعة من داخل صفوفنا ومعبرة عن إرادتنا يهبون مذعورين خشية توحدنا كقوة وكأمة تصبح لها سطوة وكيان. وكما حدث في الانتخابات الأخيرة في تركيا فكم من الجرائم ترتكب باسمك أيتها الديمقراطية! ـ كاتب مصري ـ جامعة الإمارات