جولة خاتمي العربية وردع الارهاب والحرب بالمطر! ـ بقلم: محمد صادق الحسيني

الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 ان يقوم الرئيس الايراني محمد خاتمي بجولة عربية تبدأ من لبنان وتستمر بسوريا ثم اليمن والبحرين في هذه اللحظة الزمنية بالذات يعني ان الايرانيين نجحوا في كسر طوق العزلة الذي كان مقرراً ان يضيق عليهم اكثر فأكثر بعد العراق، كما نجحوا ليس فقط في اعادة صوغ تحالفاتهم التقليدية التاريخية والاستراتيجية بل ان يفتحوا آفاقاً جديدة في سياستهم الخارجية. الذين يقولون بهذا يستندون الى الوقائع والحيثيات التالية: اولاً: بعد ان وضعت الحرب على العراق اوزارها شرعت الادارة الاميركية مباشرة بخطة ما بات يعرف بردع الثلاثي الاخطر الذي ليس فقط لم يكن متعاوناً مع واشنطن في حربها على العراق بل كان مناكفاً لها طوال الوقت. ولما كانت ايران هي الدولة الاكثر استهدافاً من غيرها في تلك الخطة باعتبارها الضلع الثاني في «محور الشر» الاميركي بعد العراق، فإن التحرك الايراني «السلس» دبلوماسياً باتجاه دول مهمة في المنطقة «الشرق اوسطية» و«الخليجية» يعني ان طهران نجحت بمجرد انجاز الجولة في خرق الطوق الاول من الحصار. ثانياً: لما كان من المعروف ان الاميركيين لا يريدون لإيران اي دور شرق اوسطي، لاسيما في مرحلة «خارطة الطريق» الفلسطينية، فإن مجرد زيارة لبنان الناجحة بحشدها الجماهيري المنقطع النظير اضافة الى الاجماع الرسمي والحكومي والحزبي والنخبوي اللبناني حولها، متبوعة بسوريا الممانعة تجاه «خارطة طريق» سورية ـ اسرائيلية، يعني ان ايران استطاعت ان تصبح حقيقة واقعة وعلى بعد «شمرة عصا» من مزارع شبعا والجولان احب الاميركيون ام لم يحبوا. مما يجعل المدى الحيوي الاستراتيجي للامن القومي الايراني عند حدود فلسطين المحتلة. ثالثاً: لما كان الاميركيون يستهدفون فيما يستهدفون في خطتهم الردعية ضد ثلاثي لبنان ـ سوريا ـ ايران عزل حزب الله عن جبهة اسناده الخلفية المتمثلة بشكل رئيسي في طهران فان زيارة ناجحة للرئيس الاصلاحي محمد خاتمي بالذات للبنان كرّس عمليا الدور الايراني الاسنادي لايران تجاه الحزب المذكور وليس لعب دور في نزع سلاحه أو تشجيعه على ذلك كما كان يروج الأميركيون. ذلك لأن خاتمي قال وبالحرف الواحد للشيخ حسن نصر الله الامين العام لحزب الله بأنكم أي «المقاومة الاسلامية» : المكافحون الحقيقيون للارهاب وليس الذين يتهمونكم به لا سيما ارهاب الدولة المنظم، وبالتالي من واجب الاحرار في العالم دعم مقاومتكم المشروعة، ومقابل الخطر الآتي من المحتلين والعدوانيين». رابعا: لما كان من جملة اهداف الخطة الردعية الاميركية عزل ايران عن سوريا وبالعكس أي تفكيك التحالف الاستراتيجي التاريخي بين البلدين وجعل كل واحد منهما يدافع عن أمنه القومي انطلاقا من اسوار عاصمته فإن مجرد قيام خاتمي بزيارة سوريا والتشاور معها في هذه اللحظة يعني نجاح الخطة الايرانية البديلة، خاصة اذا ما علمنا بأن خاتمي قد تعرض لضغوط شديدة خارجية وداخلية من اجل عدم وضع سوريا في جولته الراهنة، حتى ان بعض المتدثرين بعباءته من القوميين الايرانيين كانوا قد نصحوه بتأجيل زيارته لكل من لبنان وسوريا مدة ستة اشهر على الاقل اذا كان ولا بد من زيارتهما معا، لكن خاتمي ابى الا الالتزام بالاجماع القيادي الايراني بخصوص ضرورة الحفاظ على العمق الاستراتيجي مع سوريا ولبنان. خامسا: يبقى ان زيارة خاتمي لكل من اليمن والبحرين وما تعنيه الامتدادات او التداعيات الاقليمية والدولية لهاتين المحطتين لا سيما المنامة والتي يمكن ان تلعب دورا هاما ومتزايدا مع الايام في حركة ايران التوازنية نحو الخارج الاقليمي والدولي، فانها هي الاخرى اختيار موفق للحظة الزمنية في اطار كسر خطة الاستراتيجية الاميركية الردعية ضد ايران. سادسا: وأخيرا وليس آخراً فان اختيار الحكمة والدراية اللازمتين في التعامل مع الملف العراقي الشائك بعد سيطرة القوات الاميركية على الوضع في العراق، واعتماد سياسة «الكر والفر» الدبلوماسيين في مواجهة الخطة الاميركية لعزل العراق عن محيطه العربي والاسلامي، وذلك من خلال استخدام «الممانعة السورية» الى جانب «المماشاة الخليجية» في لعبة الكر والفر الايرانية المذكورة انما يمكن تسجيله شهادة بامتياز لمطبخ صناعة القرار الايراني. هذا الموقف الايراني الذي حاول تلخيصه الرئيس محمد خاتمي في محاضراته المتعددة في المحافل الثقافية في لبنان حيث اعتمد سياسة الرفض الواضح والشفاف لكل من الارهاب والحرب معا وكما طلب في احدى محاضراته مستوحيا من شاعر العراق الكبير بدر شاكر السياب، ان يصلي العالم صلاة الاستسقاء «من اجل العراق ومن اجل كل ارجاء المعمورة التي يلفها الجدب والقحط القاسي» كما قال مناديا الجميع بالترديد بملء الفم: مطر، مطر، مطر.. سيعيش العراق بالمطر. ـ امين عام منتدى الحوار العربي الايراني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات