الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 في زيارته القصيرة للقاهرة كان وزير الخارجية الأميركي حريصا أن يقدم الصورة الزاهية لرؤية أميركية متكاملة لمستقبل المنطقة. وربما لم تخدمه الظروف في مهمته، ولكن ذلك لا ينبغي أن يجعلنا نتجاهل ما قدمه الرجل لأنه يأتي في ظروف بالغة الدقة، وبعد أن كشفت الإدارة الأميركية عن مشروعها لتغيير العالم العربي ولو بصورة إجمالية. والوزير باول هو صاحب التصريح الشهير قبل حرب العراق بأن هذه الحرب هي مجرد البداية لحركة شاملة تستهدف تغيير العالم العربي وفقا للمصالح الأميركية. وهو يجيء هذه المرة بعد احتلال العراق وبعد وضع سوريا تحت التهديد لتغيير سياستها، وبعد اطلاق «رؤية» الرئيس الاميركي لمنطقة تجارة حرة بين اميركا ودول الشرق الاوسط خلال عشر سنوات، وبعد «الافراج» عن خارطة الطريق التي أعلنت «رؤية» أخرى للرئيس الأميركي بدولة فلسطينية (مؤقتة!) بعد عامين. وفي ظل هذه المتغيرات جميعا أوجز الوزير الأميركي موقف واشنطن بأنه «مع تحرير العراق وقيام دولة فلسطين ستكون الظروف مهيأة لإشاعة الرخاء والازدهار في المنطقة، وهذا يتطلب تغييرا شاملا في الأنظمة الاقتصادية، وفي نظم التعليم، واصلاحا كاملا للنظم السياسية».. ولم ينس الوزير الأميركي أن يشير هذه المرة الى أن الاصلاحات التي ينبغي ان تتم بموافقة الشعوب العربية وإرادتها، وليس وفقا للمصلحة الأميركية وحدها كما أكد في تصريحاته السابقة!! الأمر - من وجهة النظر الأميركية - يرتبط بشرطين: تحرير العراق وقيام الدولة الفلسطينية. وهو أمر يفهمه جميع الفرقاء بمن فيهم اسرائيل نفسها التي تتصرف من منطلق أن حكاية «خارطة الطريق» ليست الا محاولة لكسب الوقت حتى يتم استقرار الأوضاع في العراق وتحصل واشنطن على شيء من الشرعية لوضعها كسلطة احتلال، كما اعترفت بنفسها في مشروع القرار المقدم لمجلس الأمن لتمكينها من التصرف في ثروة العراق والتحكم في بتروله والسيطرة على شئونه السياسية والاقتصادية حتى يتم اعادة الاستقرار واستكمال بناء الديمقراطية. (قل إن شاء الله)!! وهكذا ذهب باول إلى اسرائيل وعاد خالي الوفاض بعد أن رفض شارون إعطاء موافقته على «خارطة الطريق». وبدلا من أن يدين الوزير الأميركي هذا الموقف جاء الى القاهرة ليقلل من أهمية الرفض الإسرائيلي، ويطلب من الجميع أن يهتموا أكثر بالاجراءات التي اتخذتها الحكومة الاسرائيلية لتسهيل ظروف الحياة في الضفة والقطاع، وكأنه مندوب لمنظمات اغاثة دولية وليس وزير خارجية الدولة الأعظم، وكأنه أيضا لم يسمع ولم ير دبابات اسرائيل وطائراتها الأميركية الصنع وهي تواصل القتل والتدمير بعد ساعات من رحيله. تبرئة الذمة الاميركية وهكذا اكتفى الوزير الأميركي بمطالبة الفلسطينيين بتنفيذ تعهداتهم بمقتضى خارطة الطريق التي قبلوها، وبالقضاء على منظمات المقاومة التي وصفها بـ «الارهابية».. بينما شارون يعلن بأوضح العبارات انه لم يتعرض لأي ضغط من أميركا لإيقاف النشاط الاستيطاني.. أما القتل والتدمير فليس مطروحا أمر إيقافهما من الأصل! بالطبع فإن حديث الرئيس الأميركي عن دولة فلسطينية بحدود مؤقتة هو خطوة على الطريق ولكنها بالقطع غير كافية لتحقيق التسوية المطلوبة. و«خارطة الطريق» لن تؤدي إلا لتصدير الأزمة الى الداخل الفلسطيني ومحاولة اثارة حرب أهلية بالاصرار على نزع سلاح منظمات المقاومة قبل الوصول الى تسوية مقبولة، والطريق للسلام واضح، حددته المبادرة العربية التي أطلقتها قمة بيروت بناء على طلب واشنطن التي تجاهلتها فور صدورها وتركت شارون يدوسها بدباباته وهو يبدأ عدوانه الواسع على أراضي السلطة الفلسطينية بعد ساعات من اطلاق المبادرة العربية. الطريق واضح، ولكن الخارطة الأميركية تقود إلى طريق آخر لمفاوضات تستغرق عشر سنوات أخرى ولا تنتهي إلى شئ إلا محاولة تبرئة ذمة الإدارة الاميركية أمام الشعوب والحكومات العربية وتهدئة الموقف بعد احتلال العراق.. وهي محاولة فاشلة بأي حال! وفي الإطار نفسه تأتي «الرؤية» الأخرى للرئيس بوش والتي أسماها مبادرة تحقيق النمو التجاري والاقتصادي والتعليمي في الشرق الأوسط، والتي تستند إلى ربط دول المنطقة باتفاقات تجارة حرة مع الولايات المتحدة خلال عشر سنوات. وهكذا تكتمل عناصر المشروع الأميركي.. احتلال العراق يتم الإعلان بعده أن الأوضاع الاستراتيجية في المنطقة قد تغيرت، وعلى كل الأطراف (والكلام لسوريا أولا) أن تتفهم ذلك وتقوم بتعديل أوضاعها. ثم خارطة للطريق إلى دولة فلسطينية بلا حدود ولا سيادة وبشرط إهدار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، ثم محاولة للدخول في صلب الموضوع بمبادرة يقول وزير الخارجية الأميركي عنها انها تستهدف إشاعة الرخاء في المنطقة عن طريق تغيير الأنظمة الاقتصادية ونظم التعليم وإصلاح النظم السياسية. ولا جدال في أن العالم العربي يحتاج الى كل ذلك وأكثر، ولكن هل الطريق إليها هو الطريق الأميركي المعروض علينا؟ ان تفاصيل المبادرة الاميركية - في جانبها الاقتصادي - لم تعلن بعد، ولكن السؤال الذي لابد منه هو: هل هي مجرد احياء لمشروع الشرق أوسطية الذي عرضه شيمون بيريز على العرب في «هوجة» التطبيع بعد أوسلو، والذي أعلن أنه يعتمد على الثروة والأسواق والأيدي العاملة العربية، وعلى التفوق والعبقرية اليهودية ليصب ذلك كله في مشروع تقوده إسرائيل لتحقيق الرخاء في المنطقة! محاولات مشبوهة لقد كانت الملاحظة الأساسية في المشروعات التي تم تقديمها في ظل «الشرق أوسطية» أنها جميعا لابد أن تمر على اسرائيل. بمعنى أن المشروعات بين الأطراف العربية ممنوعة إلا أذا مرت - في أحد مراحلها - بإسرائيل، لتكون هي الطرف الحاكم والمتحكم في المشروع بأكمله! فهل سيتكرر الأمر الآن.. وتصبح مشاركة اسرائيل مع أي طرف عربي هي جواز مروره الى «جنة» التجارة الحرة مع أميركا؟ سؤال تطرحه تجربة مصر التي توضع العراقيل منذ سنوات أمام وصولها لمثل هذه الاتفاقية مع أميركا، وفي نفس الوقت تفتح أبواب التصدير أمام منتجاتها إذا كانت عن طريق اسرائيل التي تقوم منذ سنوات بمحاولات مشبوهة للسيطرة على بعض الصناعات المصرية خاصة في مجال الملابس والمنسوجات!! وإذا كان الحديث عن الجانب الاقتصادي من رؤية الرئيس الأميركي الأخيرة هي التي استقبلت الاهتمام، فإن هناك جانبا آخر لهذه «الرؤية» أعلنه بيان صدر من البيت الأبيض الأميركي تحدث عن أمرين أساسيين: الأول: هو تشجيع التعليم والمعرفة، ولم يقتصر الأمر هنا على الحديث عن تعليم البنات ومحو الأمية، بل امتد الى ترجمة كتب المرحلة التعليمية الابتدائية من الانجليزية الى العربية لتكون هي الأساس لعملية تعليمية تستهدف ترسيخ قيم ومفاهيم جديدة في العالم العربي، تحت زعم أن ما يتم تدريسه الآن في المدارس العربية لا يساعد على اشاعة قيم التسامح والاعتدال وقبول الآخر. ـ والجانب الآخر يركز على تشجيع الحرية والعدالة.. ويتضمن مقترحات لإصلاحات قضائية وتدريب البرلمانيين والاعلاميين، وتدريب النساء لخوض الانتخابات. وهو يعكس بعض أوجه المبادرة الأخرى التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي كولن باول قبل شهور لدعم الديموقراطية في العالم العربي واعلن اعتماد 29 مليون دولار بصفة مبدئية للبدء فيها. ويكتمل ذلك كله بالحديث عن اصلاح النظم السياسية في العالم العربي، وهو حديث تتحاشى الادارة الاميركية الدخول في تفاصيله، وتترك ذلك لمركز البحث والكتاب القريبين منها للتعبير عنه والتبشير بعهد من الديمقراطية والحريات ستكون العراق (تحت الاحتلال) نموذجا له، وستكون أبرز تجلياته التخلي عن العروبة (ثقافة وسياسة) والالتحاق بموكب النظام الجديد الذي تهيمن عليه واشنطن وتمنح فيه اسرائيل مقعد القيادة، وللآخرين مقاعد في الدرجات الثانية والثالثة.. ما داموا على ولائهم للمشروع الأميركي. *** لحظات قاسية وقبل أن ينهي كولن باول جولته في المنطقة، والتي حاول فيها أن يقدم صورة زاهية للرؤية الأميركية للمنطقة، كانت انفجارات الرياض تقدم صورة مغايرة للأوضاع، وتعلن عن مدى التعقيدات التي تعيشها المنطقة وتقاسي منها. والمهم هنا ألا تغطي سحب الدخان بعد الانفجارات على حقيقة ما نواجهه من تحديات، وألا تكون هذه الأحداث هي ردنا الوحيد على «رؤى» الآخرين لمستقبل المنطقة.. ومستقبلنا، وإلا نكون قد وقعنا بين تطرف الجهالة والتخلف، من ناحية، وبين مشاريع الهيمنة من ناحية أخرى.. وكلاهما مرفوض من امتنا العربية والاسلامية. انها لحظة قاسية في تاريخ أمتنا، تواجه فيها كل الأخطار وهي في أضعف حالاتها، وتفرض عليها أقسى التحديات وهي تعيش حالة من الصدمة والذهول بعد سقوط العراق تحت الاحتلال الذي يهدد عواصم عربية أخرى بنفس المصير، ويحاول البعض أن يجعل من المحنة الحالية قدرا مكتوبا على الشعوب العربية يحدد مصيرها بغير إرادتها، ويجعل مستقبلها مرهونا بإرادة الآخرين. إنها لحظات قاسية في تاريخ أمتنا، ومع ذلك فعلينا أن نتجاوزها بسرعة، وإن ندرك أن الزمن لن ينتظرنا، والاعداء لن يرحموننا، وتسول السلام لن يأتي بغير الاحتلال، وانتظار الديمقراطية والحريات من الآخرين لن يأتي بغير التبعية وضياع المستقبل. فلنرفض خارطة الطريق.. ولكن فليكن لنا خريطتنا العربية لتحرير الأرض واستعادة الحقوق. ولنرفض المشاريع التي تريد فرض الديمقراطية بالقوة وتغيير نظم التعليم لتضيع هويتنا، ولكن فليكن لنا مشروعنا الخاص لبناء الدولة العربية المتقدمة التي تتفجر فيها كل طاقات الإبداع من مواطنيها. ولنرفض النظام الاقليمي الجديد الذي يراد فيه أن نكون مجرد ثروات تستغل وأيدي عاملة رخيصة وأسواق تتسع لمنتجات الآخرين الأكثر تقدما، ولكن فلنعيد الحياة لمشروعنا العربي الذي لا بديل عنه والذي نملك كل مقوماته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبشرية، والذي بدونه لن نكون إلا أمة من الهنود الحمر! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية