الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 إذا كنت في مطعم وصادف أن رأيت الشخص الجالس قبالتك يهم بالانصراف ناسياً الكتاب الذي انتهى للتو من قراءته والشخبطة في هوامشه على الطاولة، فلا تحاول أبداً اللحاق به ملوحاً بالكتاب ومتوقعاً أن يكون ممتناً لك لأنك قد لا تنال من معروفك هذا أي كلمة شكر أو ثناء، بل على العكس، قد تتلقى منه الزجر والتعنيف مع أمر فوري بارجاع الكتاب الى المكان الذي تركه فيه. فلو تعرضت لمثل هذا الموقف لا تستغرب ولا تفغر فمك، فقد يكون ذلك الشخص واحداً من جيش متزايد العدد من ناقلي الكتب، وهي الصرعة الجديدة التي وصفت بأنها ناد عالمي للكتب يعبر المسافات والأزمان أو بالأحرى مجموعة متنامية من ديدان الكتب الذين لا يعرفون حدوداً جغرافية. والفكرة تبدأ أولاً بتسجيل كتاب ما على موقع بالانترنت عنوانه: www.bookcrossing.com حيث يخصص للكتاب اسم «كودي» ثم يقوم الشخص بعد ذلك بطبع بطاقة بالتفاصيل يلصقها على الغلاف الداخلي للكتاب مع ملحوظة أو رسالة قصيرة إذا شاء قبل أن يقوم بتحرير الكتاب أو تركه في أي مكان يختاره. وكل من يقع الكتاب في يده يقوم بعد ذلك بإبلاغ صاحب الكتاب عبر شبكة الانترنت عن المكان والكيفية التي عثر فيها على الكتاب ويبدي رأيه فيه قبل أن يقوم بدوره بإعادة اطلاق الكتاب في رحلته نحو قاريء آخر. وهذه الفكرة العبقرية في تقديري هي وليدة ذهن مطور برامج الكمبيوتر الأميركي رون هورنبيكر البالغ من العمر 36 عاماً والمقيم في كنساس، فالفضل يعود له في تطبيق الفكرة التي بدأها بتعمد ترك كتاب عن كيفية صيانة الدراجات في محل حلويات واطلاق الموقع في ابريل من العام 2001. وينضم للموقع الآن حوالي عشرة آلاف شخص من جميع أصقاع العالم ساهموا في اطلاق أو سفر حوالي ثلاثمئة ألف كتاب. وأعضاء نادي الكتب هذا ليسوا مولعين بالضرورة بالقراءة، ولكن معظمهم ينتابه شعور بالاثارة لفكرة اطلاق كتاب وترقب المصير المجهول الذي ينتظره. ومن استراليا الى استونيا، يتعمد أتباع النادي ترك الكتب في أماكن عامة مختلفة بدءاً من النصب التذكارية والقطارات إلى المطاعم ومقاعد المتنزهات، فالهدف على حد قول هورنبيكر هو تحويل العالم كله إلى مكتبة وايجاد حوار أدبي مستمر ما دام ان الشخص الذي ينتهي من قراءة كتاب ما يروج له بالتحدث عنه. كما يرى بعض من راقت لهم الفكرة فيها تشجيعاً على المشاركة في عصر الاستهلاك والتخزين الذي نعيشه اليوم، فبدلاً من تكديس الكتب في مكتبة المنزل وتركها تراكم الغبار توهب لقراء آخرين. ولا ينكر كل من جرّب هذه الموضة وجود جانب إدماني فيها، حيث شغف بها أشخاص من مختلف الأعمار والجنسيات أكبرهم فوق سن الستين وأصغرهم أطفال في الثامنة ممن بدأوا بترك قصصهم المفضلة في ملاعب الأطفال. وهناك أيضاً من يعشق في هذه الصرعة الجانب التلصصي كأن يترك الشخص كتاباً ذا غلاف أو عنوان مثير ويراقب عن بُعد ردود أفعال الناس تجاهه ويرى من يقرر أخذه أخيراً ثم يتحرى عبر الانترنت استجابة مستلم الكتاب لهذه التجربة ورأيه فيها. وكان هورنبيكر قلقاً على وجه خاص من محاربة ناشري الكتب له، لكن دور النشر وجدت في هذه الظاهرة ترويجاً للكتب ودعاية مجانية لمنتجاتها، أضف الى انها تكسب منها، سيما وأن العديد من ناقلي الكتب يحتفظون بالنسخة الأصلية للكتاب الذي أعجبهم لقيمته العاطفية وشراء نسخة جديدة لارسالها في طريق سفرها غير المخطط له. ويظهر الموقع الذي يتوقع أن يصل أعضاؤه الى المليون في غضون خمسة أعوام قوائم للكتب التي تم اطلاقها مؤخراً والكتب التي تم العثور عليها حديثاً وأكثر الكتب التي سافرت وعبرت البحار والمحيطات، اضافة الى الكتب التي بقي مصيرها غامضاً، فحوالي 25% فقط من الكتب تسافر والبقية تواجه مصائر مجهولة اعتماداً على المكان الذي تترك فيه. ولأن الكتاب الذي يمكن أن يصلك بهذه الطريقة بعد عبوره العديد من الحدود الجغرافية، يدخل البهجة في القلب، ويساعد على تكوين صداقات في بعض الأحيان أو حتى تغيير حياة الشخص، فإن الأمر يستحق عناء نفضك الغبار عن أرفف مكتبتك لانتقاء الكتاب الذي ستسمح له بالسفر. ولا أدري إن كانت هذه الصرعة ستصلنا قريباً أم أن نظرة الناس هنا لقيمة الكتاب لاتزال غير ناضجة، كما تشهد عليها المغامرة التي خاضتها احدى الصديقات. فقد قررت هذه الصديقة، بعدما سمعت مني عن هذه الصرعة، المبادرة باطلاقها على المستوى المحلي، سيما وأنها من هاويات قراءة الروايات على وجه أخص. فخرجت لأحد مراكز التسوق وتعمدت ترك احدى رواياتها القديمة على طاولة مقهى وانصرفت بهدوء لانهاء بعض مهام التسوق. بعد ساعة عادت والفضول يكاد يقتلها لمعرفة مدى الاهتمام الذي أثاره كتابها في المكان، فلم تجد أي أثر له في أيدي رواد المقهى، اقتربت من العامل الذي كان يمسح طاولتها وسألته عن الكتاب فبدا لها مذعوراً وهو يردد كلمات الاعتذار ثم اتجه الى صندوق القمامة وعاد مكرراً أسفه الشديد وهو يضع بيدين ترتجفان الكتاب بين يديها. ذهلت المسكينة للحالة المزرية التي انتهى اليها كتابها العزيز، فقد وجدته ملطخاً بصلصة الكاتشاب وأوراقه تقطر كوكاكولا. ebtesam@albayan.co.ae