السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 وسط الركام السياسي الذي تعيشه المنطقة العربية بعد احتلال العراق تمر ذكرى النكبة الفلسطينية هذا العام وسط ضغوط على الفلسطينيين لتغيير برنامجهم الوطني بدءاً بتغيير القيادة وانتهاء بالتنازل عن حق العودة لتصبح النكبة نكبتين. لقد قبل الفلسطينيون بخطة «خريطة الطريق»، دون ان يتضح حتى الان ما اذا كان القبول بالخطة يعني المباشرة في تنفيذها، والتي تريد الولايات المتحدة الاميركية من خلالها ان ترسم الحدود الجغرافية للفلسطينيين، وان تحدد لهم هي دون ارادتهم ملامح القائد الذي يجب ان يحكمهم عبر نظام اشتراطات كان اولها صياغة دستور فلسطيني وتعيين رئيس للوزراء شغله محمود عباس الذي تعهد بالاستجابة للاشتراط الثالث المتمثل بانهاء عسكرة الانتفاضة وهو موقف قديم للرجل يعفيه من حرج ما قد يفسر خضوعا لاملاءات الخطة. اخطر ما في الخطة التي قبلها الفلسطينيون وما زال الاسرائيليون يتمنعون عن قبولها انها اسست لتدخل اميركي واسرائيلي عنيف في الشأن الداخلي للطرف الفلسطيني، لتبدو الصورة اكثر قتامة بإضافة احتلال سياسي الى الاحتلال العسكري، حيث تترك الخطة الحكم على مدى فاعلية ونجاح الاصلاحات في مؤسسات السلطة الفلسطينية للطرفين الاميركي والاسرائيلي، بمنطق الخصم هو الحكم. كما تربط الخطوة التالية، حين يأتي وقت التنفيذ، بخطوة سابقة على الفلسطينيين القيام بها، اولها وقف «العنف والارهاب» الفلسطيني ليوقف الاسرائيليون بعدها «دفاعهم عن انفسهم». اي الفعل الفلسطيني المنفذ للخطة يصبح رهينة لخطوة اسرائيلية لاحقة لا ضمان عليها ما دام الاسرائيلي هو الحكم على الخطوة الفلسطينية. فالخطة على عكس المسار المنطقي تطلب الامن للاحتلال اولا وللضحية تاليا، تلك الضحية التي تم تصويرها في الخارج من خلال طرح مشوه للواقع على انها دولة ذات سيادة عبر رموز سيادية شكلية، والتغاضي عن ان الضفة الغربية عادت محتلة بالكامل وقطاع غزة يخضع للاحتلالات الخاطفة، وتأتي الخطة لتزيد تلك الصورة تشويها عبر تصوير الطرف الفلسطيني مواز ومكافيء للطرف الاسرائيلي بالنواحي الامنية والعسكرية. لقد سعى الفلسطينيون منذ النكبة لتدويل قضيتهم لتحقيق التوازن مقابل التفوق الاسرائيلي، وان بدا ذلك ملموسا في بنود خطة «خريطة الطريق» الا انه لا يخرج عن كونه تدويلا شكليا متمثلا في اللجنة الرباعية التي شاركت اساسا في صياغة رؤية اميركية للحل هي رؤية الرئيس الاميركي جورج بوش، والواضح من حقائق الساعة ان الفاعل الاساسي في الخطة هي الولايات المتحدة وحدها، خصوصا ان محورها «رؤية» بوش للحل ضمن الواقع الجديد للمنطقة بعد الاحتلال الاميركي للعراق، ليبدو الامر في حقيقته استفرادا «اميركيا» بالحل وليس «تدويلا» له. لذلك يبدو هامش المناورة للطرف الفلسطيني محدودا للغاية امام حرية الفعل الاميركي المتحالف مع اسرائيل، وبغياب اي قطب دولي يوازيه وبغياب اكبر للعمق والامتداد العربيين للقضية الفلسطينية التي تستفرد بها «الخريطة الاميركية». ومع ما في الخطة من ايجابيات للطرف الفلسطيني وابرزها قيام دولة فلسطينية في نهاية المرحلة الزمنية للخطة بحلول العام 2005، الا ان مسائل مثل مدى السيادة التي ستتمتع بها تلك الدولة واللاجئين والقدس والاستيطان تركته لمفاوضات تفسير نصوصها الغامضة التي تتيح للطرف الاقوى فرض تفسيره لها. ومن تلك النصوص ان الخطة طالبت ب«انهاء الاحتلال»، وهو نص يسمح لاسرائيل بالقول ان ذلك لا يعني الانسحاب الكامل متذرعة بالاحتياجات الامنية وان الانسحاب يمكن تفسيره هنا بالانسحاب الى حدود يمكن الدفاع عنها، ويرتبط بذلك ان الخطة لا تأتي على مسألة الاستيطان في القدس، مانحة اسرائيل مكاسب مبكرة تجعل من التفاوض حول ذلك امرا عسيرا، وتتحدث الخطة بدلا من ذلك من تجميد الاستيطان وازالة بؤر استيطانية اقيمت بعد مارس من العام 2001 دون توضيح او اشارة لمصير المستوطنات التي اقيمت منذ الاحتلال، ولعل مطالبة الخطة بتحقيق اكبر قدر من التواصل لاراضي الدولة الفلسطينية وليس التواصل الكامل والشامل يفسر بوضوح ان الخطة لا تطالب بانسحاب كامل ولا ازالة المستوطنات التي تعيق التواصل الجغرافي الطبيعي لاراضي الدولة وخصوصا المستوطنات التي تحيط بالقدس وتمنع التواصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. وموقف اسرائيل من المطالب الخجولة للخطة بشأن الاستيطان عبر عنه رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون باصراره على مواصلته حين قال لوزير الخارجية الاميركي كولن باول خلال جولته الاخيرة بالمنطقة انه «لا يعقل ان نجهض نساءنا من اجل عدم توسيع الاستيطان»، وهو الذي قال في وقت سابق بنفس لهجة التهكم من تلك المطالب انه «لا يعقل ان يضطر الشاب الاسرائيلي الذي يسرح من الجيش ان يطلب تصريحا من عرفات لبناء بيته». وفي مسألة اللاجئين وحق العودة تطالب الخطة بحل واقعي لمشكلتهم دون ان تقدم تصورا لذلك، وتركت لشارون تقدير ذلك الحل حين ربط موافقة اسرائيل الرسمية على الخطة بتنازل الفلسطينيين عن حق العودة. قابله موقف عبر عنه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حين قال بمناسبة ذكرى النكبة إن الذين اُخرجوا من بيوتهم لا بد ان يعودوا اليها، وبين هذين الموقفين لم تقدم الخطة رؤيتها «الواقعية» للحل، وان كانت كلمة «واقعية» تميل الى الموقف الاسرائيلي الى درجة تبنيه. لقد اجبرت معطيات الواقع الجديد، مثلما اجبرت ازمات سابقة، الفلسطينيين على التكيف مع متغيرات ومفردات العصر، ومع الاقرار بأن هذا الواقع يتطلب اعادة ترتيب الاولويات، الا ان التاريخ السياسي للشعب الفلسطيني وتجاربه في اعادة ترتيب اولوياته لم تلغ ذاكرته المشبعة بألم وحلم 55 عاما، ولم تنجح اي محاولة في تخفيض سقف «خريطة حلمه» المسنود بعدالته.