السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 في الوقت الذي تتسم فيه التحركات العربية بالبطء الشديد على كل المستويات، فان الولايات المتحدة تسارع خطواتها لاحكام سيطرتها على المنطقة، بما يفقد العرب جميعهم أي قدرة على الخلاص، ففيما لا نزال ننتقد بعضنا البعض على عدم تفعيل الاتفاقيات والمعاهدات العربية لتحقيق حلم العمل العربي المشترك، فان الولايات المتحدة قدمت ثلاثة مشروعات تحقق بها أهدافها وتضمن لها مزيدا من السيطرة على مقدراتنا، ونفذت عدوانا ضد دولة عربية أصبحت تحت الاحتلال، بما يفيد بأن ما تعجز عن تحقيقه السياسة فان القوة الاميركية كفيلة بتحقيقه. في نوفمبر الماضي اعلن وزير الخارجية الأميركي مشروع الشراكة الذي يعكس وجهة نظر واشنطن فيما يسمى بنشر الديمقراطية في المنطقة، وتم تسريب افكار حملت عدة تصورات لاشكال جديدة من الحكم في كثير من الدول العربية. وفي نهاية ابريل الماضي افرجت الولايات المتحدة عن خريطة الطريق بعد طول انتظار اعلنت فيها تصورها لشكل الدولة الفلسطينية المقترحة. وفي 9 مايو الجاري احيا الرئيس جورج بوش مشروع السوق الشرق أوسطية مقترحا اقامة منطقة للتبادل التجاري الحر بين الدول العربية والولايات المتحدة واسرائيل. وتحمل هذه المشروعات الثلاثة «الى جانب العدوان الذي انتهى ـ مؤقتا ـ باحتلال العراق» رؤية أميركية اسرائيلية لاعادة تشكيل المنطقة العربية ـ حسبما قالوا ـ خلال السنوات العشر المقبلة. وهذه المشروعات تمثل في جوهرها استراتيجية متكاملة تهدف لوأد الحلم العربي في العمل المشترك أو بالأدق القضاء على أي أمل يقود مستقبلا الى تكتل عربي من أي نوع. وفيما يعتبر مشروع كولن باول بمثابة الذراع السياسية الاميركية لتشكيل العالم العربي مستقبلا، عبر ما يسمى بالدمقرطة، فان مشروع بوش بخصوص منطقة التجارة الحرة هي الذراع الاقتصادية. واذا كان مشروع الدمقرطة سيحقق للولايات المتحدة التحكم في الخرائط السياسية والاجتماعية لنخب الحكم العربية، وهي نخب ستكون بالضرورة اكثر ولاء وتبعية للولايات المتحدة واسرائيل، فان مشروع بوش يعني تسليم كافة مفاتيح الاقتصاد العربي الى واشنطن ووكيلها الاقليمي تل ابيب، حيث ستوضع المخططات الاقتصادية والسياسية للمنطقة بما يكفل استنزاف الموارد والقوى البشرية العربية لحساب اسرائيل بالدرجة الأولى. فمشروع بوش هو مشروع بيريز الذي سبق وطرحه قبل اكثر من عشر سنوات. وانعقدت من اجله ثلاثة مؤتمرات في المغرب والقاهرة والدوحة ثم توقفت المؤتمرات بفضل الانتفاضة. اما خريطة الطريق فهي الجسر الذي تعبر فوقه المخططات الاميركية والاسرائيلية الى قلب العواصم العربية مثلما كانت من قبل مدريد وأوسلو. فواشنطن وتل ابيب تدركان ان مخططاتهما مآلها الى الفشل والانهيار ما لم يتم تبريد المشكلة الفلسطينية، ومن ثم فان نجاح هذه المخططات مرهون بمدى نجاح اهدافهما في فلسطين بالدرجة الأولى وايضا في العراق. ولولا الفراغ الناجم عن الفشل العربي ما كانت هذه المشروعات، فقد جاءت هذه المخططات لتملأ الفراغ السياسي والاقتصادي الناجم عن العجز العربي، ولكن هذا الفشل يمكن علاجه عبر طرح مشروعات عربية مضادة تكفل تحقيق المصالح العربية على صعيد مختلف القضايا وخاصة قضايا الديمقراطية والتنمية وتحرير الأرض (المقاومة). صحيح انه من الصعب اعتبار اي دولة عربية كنموذج للديمقراطية بما فيها تلك الدول التي توجد بها تجارب حزبية، الا ان بامكان العرب تحقيق اصلاحات داخلية تكفل الأخذ بالديمقراطية السياسية بما يسد الثغرات التي تنفذ منها الولايات المتحدة، وبما يسد الهوة القائمة في العلاقات بين النظم والشعوب. فقد كانت هذه الهوة ـ ولا تزال ـ هي الممر الواسع الذي يشجع واشنطن على التحرك السهل لفرض ما تريد بهدف تطويع الدول العربية. مع الوضع في الاعتبار ان الدمقرطة المطروحة أميركياً ليست سوى أكذوبة في سلسلة الأكاذيب الاميركية. وعلى صعيد الاقتصاد لا يزال امامنا فرص كثيرة لتفعيل العمل العربي المشترك، بما يفضي مستقبلا الى سوق عربية مشتركة تكون بديلا عن السوق الشرق أوسطية. ومن اجل تعضيد وتصليب الموقف العربي فان اي مشروعات عربية لن يقدر لها النجاح دون الحاق الهزيمة بالمخططات الاسرائيلية والأميركية في فلسطين عبر تقديم كل اشكال الدعم والمساندة السياسية والاقتصادية والتسليحية للسلطة والمقاومة الفلسطينية، بما يكفل التقاء الطرفين على أرضية مشروع عربي يجعل البندقية هي عراب مائدة التفاوض. والحيلولة دون نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية واحباط أي محاولة لاستدراج السلطة والمقاومة الى حرب أهلية. وانتزاع المكاسب من اسرائيل على أرضية المقاومة وليس على أرضية مشروعات التسوية الأميركية الاسرائيلية التي تقودنا الى السقوط في مخططاتهم. ولن تكتمل عملية تحرير القرار السياسي والاقتصادي العربي في ظل وجود القوات الأميركية في العراق. وهذا يستدعي دورا عربيا لتحرير العراق من براثن الاحتلال الاميركي عبر مساندة كل اشكال المقاومة العراقية، تلك المقاومة التي بدأت تلمع في شوارع بغداد والمدن العراقية الأخرى والتي تترقبها أميركا برعب شديد. وكما قال الصحفي البريطاني روبرت فيسك في مقال له نشر مؤخرا فان كل التقارير الاستخبارية الأميركية تؤكد «أن حركة مقاومة متنامية للاحتلال الأميركي تختمر في العراق». المقاومة في العراق وفلسطين وعلى امتداد الخريطة العربية (رسميا وشعبيا) هي وحدها الكفيلة باسقاط كل المخططات الأميركية الاسرائيلية، وذلك بطرح استراتيجيات قومية بديلة للمخططات الصهيوأميركية، والا فلن تمر السنوات العشر التي حددها بوش لسوقه الشرق أوسطية الا وتكون كل العواصم العربية قد سقطت كبغداد دون الحاجة الى طائرات ودبابات الجيش الأميركي