السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 اجتمع مؤخراً في بروكسل زعماء اربع دول اوروبية تعتبر جغرافيا وتاريخيا قلب الاتحاد الأوروبي، وهي فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورج، واعلنوا عقب تلك القمة بأن سياسة امنية ودفاعية اوروبية مشتركة بدأت ترتسم ملامحها وتبقى مفتوحة لكل دول الاتحاد. حين قرأت بيان هذه القمة كانت أول خاطرة خطرت على بالي واستدعيتها من ذاكرتي هي ان الاتحاد الأوروبي بدأ يحقق «عقيدة جوبير»، لأن الوزير الاسبق للخارجية الفرنسية ميشال جوبير هو الذي انشأ تلك العقيدة الدفاعية الأوروبية ودافع عنها عندما كان وزيراً للخارجية في السبعينيات من القرن الماضي ايام حرب اكتوبر 73 وما تلاها من استعمال سلاح النفط. وهو الذي وقف كالشوكة في حلق الاستراتيجية الأميركية في ذلك العهد، حسب تعبير الرئيس الأميركي الاسبق ريتشارد نيكسون والذي نقله عنه وزيره للخارجية هنري كسينجر في مذكراته. واليوم تبدأ أوروبا بجد في تجسيد عقيدة جوبير بصناعة أسنان ومخالب لتضمن امنها وتشكل دفاعها. فقد استفاد القادة الأوروبيون، وابرزهم جاك شيراك وغيرهارد شرويدر، من دروس ومحن الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تلاها من حرب ضروس على افغانستان ومن حرب مدمرة على العراق، وما عاشته منطقة الشرق الاوسط ما بين هاتين الحربين من اهمال القضية الفلسطينية واحتقانها بسبب تهور شارون والمساندة المخجلة التي لقيها من واشنطن بدون أي أفق سياسي. بالطبع صرح الزعماء الأوروبيون الأربعة بأن غايتهم ليست مزاحمة الحلف الاطلسي، بل دعمه بتقوية جناحه الأوروبي وليست كذلك الانسحاب من منطق القطب الواحد بل تعزيز القدرة الغربية. لكن ذلك لا يخفي ان اميركا لا تنظر بعين الرضا لقمة بروكسل، لأن المشاركين فيها هم الذين تعتبرهم واشنطن مغردين خارج السرب وشاردين خارج القطيع، لأن الاتحاد الأوروبي العاقل لدى واشنطن هو الذي يمثله توني بلير وخوسيه ازنار، أي زعيما بريطانيا وأسبانيا اللتين تصنفها واشنطن تاريخيا كمصدرين اساسيين للهجرة الأوروبية نحو القارة الأميركية في القرن السادس عشر وما يليه. وحين أقرأ النقاط السبع التي تضمنها برنامج الدفاع الأوروبي المعلن في قمة بروكسل، تعود بي الذاكرة الى الاحاديث الممتعة والمنعشة والمفيدة التي كانت تجري في الثمانينيات وفي التسعينيات بيني وبين صديقي ميشال جوبير إما في بيته الكائن بشارع بليريو في باريس أو في مطعم سان فرانسيسكو الذي كنا ـ ومازلنا ـ نستطيب جوه وأطباقه، وكان جوبير شديد الحماس لعقيدة استقلال الدفاع الأوروبي وطالما قال لي: إن أكبر خطر محدق بالاتحاد الأوروبي هو تذييل دفاع القارة العريقة للاستراتيجية الأميركية، لما بين أوروبا وأميركا من فوارق شاسعة في التاريخ والمصالح والعقيدة السياسية. وأميركا ـ دائما حسب رأي جوبير ـ تسعى الى القوة والهيمنة في حين تسعى أوروبا الى الاستقرار والسلام. ويشكل الدفاع الأوروبي المستقل نقطة انطلاق للاستقلال السياسي والاقتصادي بما يتناسب مع حجم الاتحاد الأوروبي وطموحاته لاحتلال مكانته في المجتمع الدولي. ونعود للنقاط السبع للبرنامج الامني والدفاعي الأوروبي لنجد أن هاجس التوترات الاقليمية حول البحر الابيض المتوسط يطغى على هاجس العدوان القادم من بعيد. فالاتحاد الأوروبي يقع على الساحل الشمالي للبحر المتوسط بينما تقع على ساحله الجنوبي دول المغرب العربي والشرق الأوسط، وهي في تحليلات الخبراء الأوروبيين مناطق متوترة فاقدة للديمقراطية ومصدرة للهجرة ولمظاهر العنف السياسي والديني على المدى الراهن والمتوسط. والاتحاد الأوروبي يخشى انفجار اوضاع مغاربية وشرق اوسطية هشة ومحملة بالاخطار وقابلة للانتشار، ولعل مناخ الصراع الأهلي في الجزائر بين العسكر والجماعات المسلحة هو أسطح دليل على مناخ عدم الاستقرار، الى جانب تردي القضية الفلسطينية في سبل مسدودة مع البطالة الشبابية المتفاقمة في دول جنوب حوض البحر الأبيض. ولهذه الاسباب اختار الأوروبيون اولوية انشاء قوة تدخل سريع تضم ستين الف جندي بتجهيزات ثقيلة ونصف ثقيلة وطائرات ومصفحات، الى جانب انشاء وحدة أوروبية للنقل الجوي تسندها، وتكون القوتان جاهزتين عام 2004 تحسبا لما عساه يطرأ على حوض البحر المتوسط وعلى ساحله الجنوبي على وجه التحديد من مفاجآت سياسية قد لا ترضى عنها أوروبا أو قد تراها مهددة لمصالحها وأمنها. وقررت القمة كذلك انشاء درع لحماية أوروبا من أي خطر نووي او كيمياوي محتمل، وتأسيس قوة للنجدة والإمداد قادرة على التحرك في 24 ساعة، وانشاء مراكز للتدريب المشترك وتعزيز التنسيق في إدارة الازمات الطارئة بنواة قوة مشتركة، وأخيراً تشكيل قيادة تعبوية موحدة. ودعا القادة لتضمين هذه العقيدة الدفاعية في دستور الاتحاد الأوروبي الذي سيقترع عليه الأوروبيون قريباً. ولا اخفيكم أنني تمنيت ان اقدم التهاني للصديق ميشال جوبير بهذا الانتصار الذي تحقق بعد رحيله عن هذه الدنيا، بعد أن كرس له عشرين عاماً من التفكير والتخطيط. ـ أستاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر alqadidi@hotmail.com