السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 نشهد في الوقت الراهن حركة اميركية نشطة دبلوماسيا وإعلاميا على مسار التسوية الفلسطيني. ومن استطراد خريطة الطريق الى المسارين السوري واللبناني، وضرورة إستئناف تجليات التعاون الاقليمي بين العرب والاسرائيليين، ندرك أن هذه الحركة تتصل أيضا بإعادة الاعتبار لمفهوم التسوية الشاملة. أو هكذا يفترض. فهل يأتي هذا النشاط وفاء بوعود واشنطن حول تشغيل الاهتمام بالأزمة الفلسطينية وتوابعها الاقليمية بعد الفراغ من الأزمة العراقية؟ وهل فرغت واشنطن بالفعل من هذه الأزمة وتداعياتها الزلزالية حتى تلتفت الى وعودها الأخرى؟ نجاح.. وتخبط حقيقة الأمر أن التحالف الأنجلو اميركي لم ينجز من أهدافه العراقية إلا مايتعلق بالأبعاد العسكرية وأبرزها هزيمة النظام واحتلال العراق. وكان ذلك متوقعا وفي حدود الممكن والمضمون تقريبا بالنظر الى أن العنصر الحاسم في تحقيقه هو موازين القوى العسكرية. أما فيما عدا هذا الهدف، فمن المتفق عليه أن سياسة التحالف مازالت تتخبط وتراوح في مكانها وتواجه صعوبات لا حصر لها، بحيث يبدو أن بينها وبين «العراق الجديد» الآخر، عراق مابعد صدام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا ايديولوجيا، مسافة شاسعة. وعليه، فإن الولايات المتحدة انتهت توا من الاحتلال الأصغر المعتمد على قوة السلاح وهي بالكاد تتلمس طريقها الى الاحتلال الأكبر، الذي يحتاج إلى العناصر القادرة على التغيير الجذري ومنها السيطرة والتحكم والتوجيه في كافة مناحي الحياة على مدى زمني ممتد يصعب تحديده. والحال كذلك، فإن العناية بعملية التسوية الفلسطينية تخالف التوقعات القائلة بأن هذا لن يكون أو غير جائز قبل تصفيف الحالة العراقية، بمعنى ان الولايات المتحدة تبدو وكأنها أجرت تحولات على مقاربتها للقضيتين الفلسطينية والعراقية، متخلية بذلك عن مفهوم «التوالي» الى مفهوم «التوازي» أي أنها راحت تقارب القضيتين في الوقت ذاته وبالاهتمام ذاته أيضا. قد يكون هذا التفسير صحيحا. وربما كان من الصحيح أيضا أن صناع القرار في واشنطن قد استأنسوا بالنصيحة الأوروبية، التي يفضلها كذلك الحليف البريطاني، بأن يتم إيلاء القضية الفلسطينية ماتستحق من رعاية فورية باعتبارها المفتاح السحري لتفكيك حالة عدم الاستقرار وتسكين ثائرة الرأى العام العربي في الشرق الأوسط. غير أن هذه التقديرات والتعليلات ليست خاتمة تفسيرات النشاط الاميركي الفائض على الجبهة الفلسطينية أو العربية الاسرائيلية. وذلك أن منطق العلاقات التفاعلية بين القضايا الشرق أوسطية، كان يقتضي استيضاح المشهد الأخير في القضية العراقية أولا نظرا لتأثيره على المشهد المأمول للقضية الفلسطينية تاليا. وكان من رأى هنري كيسنجر وبعض دهاة الفكر الاستراتيجي الاميركي أن «الطريق الى القدس يمر من بغداد». فما الذي حدث وأوجب معاكسة هذه المعادلة؟ تقديرنا بهذا الخصوص أن السياسة الاميركية بعد ان احتكت بأحوال العراق من الداخل واتصلت بها بشكل مباشر، أيقنت بالتعقيدات البالغة التي تنتظرها لتنفيذ أهدافها هناك. لقد أدركت المسافة بين التخطيط لهذه الأهداف على الورق وفي الأضابير وبين اسقاطها على الواقع. وكان بين مااستنتجته أن قياس الحالة العراقية على السابقة الافغانية لا يجوز على الاطلاق. وهي وإن كانت لا تعترف بذلك صراحة الا أنها تضمر هذا الفهم. ولابد انها تتساءل: إذا كانت الحالة الافغانية لم تستقر حتى الآن وتجري الى قدر لا تعلمه، فكيف بالحالة العراقية الأشد تعقيدا، والتي تتقاطع داخلها أهواء وأحانين ومصالح دينية وقومية وطائفية واقتصادية وفكرية.. وبالطبع سياسية، لا حصر لها؟ شد الأنظار بناء على هذا المعطى أرادت الولايات المتحدة الربط بين العراق وفلسطين ولكن من منظور أخر، ألا وهو الاجتهاد الى اقصى حد من التأسيس على النتائج التي تحققت عراقيا حتى الآن وانتهاز اصدائها الساخنة على المسار الفلسطيني. فاحتلال العراق على النحو المعلوم، أصاب الفلسطينيين والعرب عامة بشئ غير قليل من الذهول والصدمة، وألزمهم شعورا بالقهر حتى أنهم لا يدرون متى وكيف يستعيدون توازنهم السياسي والنفسي والنظامي. ولن تجد واشنطن ومحازبوها وضعية أنسب ولا بيئة أكثر مواتاة عربيا من هذه الوضعية والبيئة التي خلفها غزو العراق واحتلاله، للمضي قدما في تحقيق مايمكن تحقيقه من أهدافها على الجبهة الفلسطينية والعربية الإسرائيلية! وهكذا، انتقلت واشنطن من التعامل وفق منظور التوالي والتأجيل، الى منظور التوازي والتعجيل. وكأنها بذلك تتطلع الى قطاف ثمرات احتلال العراق حتى وإن لم تكتمل أو تنضج بالكامل، قبل أن تفاجأ بما لم يكن في الحسبان أو تصعب معالجته. ولعل بين ماشجعها على هذا الخيار وجود بيئة دولية مواتية أيضا أو أقله غير معاكسة.. من آيات هذه البيئة تجاهل معظم القوى الدولية التي مانعت في غزو العراق خارج الشرعية الدولية لمواقفهم السابقة، ومظاهر غفرانهم للسلوك الاميركي اللاقانوني، أو اللاأخلاقي التي حفت بسياساتهم غداة وقوع الغزو. لقد بات شاغل هذه القوى وقائع مابعد الغزو والاحتلال وليس حيثيات الغزو والاحتلال ومدى شرعيتهما القانونية والسياسية والاخلاقية. بهذا المنظور الجديد، الذي يعني العودة الى لجة مسارات التسوية العربية الاسرائيلية تحسب واشنطن أنها لن تخسر شيئا.. فهي إن نجحت في فرض مفهومها لهذه التسوية، اعتمادا على خريطة الطريق بتعديلاتها الاسرائيلية مثلا، تكون قد حصدت مع حليفها الاسرائيلي مبكرا وبعناء قليل بعض ماأرادت من غزوها للعراق. أما إن لم يقدر لها هذا النجاح بسبب أو آخر، فإنها تكون قد أفلحت في إلهاء الناس أجمعين، اقليميا ودوليا، عما يجري في ارض الرافدين. وليس ثمة قضية يمكنها لفت النظر وشد الانتباه بعيدا عن تلصص معالم الفشل الاميركي على الجبهة العراقية من قضية التسوية الفلسطينية. وينتمي الى جملة المكاسب المتوقعة أيضا، أن يدخل في روع الكثيرين، لاسيما من دعاة التسوية السلمية وأنصار مدريد وأوسلو، أن الولايات المتحدة مازالت عند كلمتها وهي تحترم وعودها وتعهداتها. ولا يهم بعد ذلك إن كانت نتيجة هذه الأوبة الاميركية الى قضية التسوية الفلسطينية الجزئية أو العربية الشاملة في صالح الفلسطينيين والعرب أم لا. كما أن أحدا لن يحاسب واشنطن على الوقت الذي سوف تستغرقه هذه القضية، والذي نحسب أنه سيقدر بالسنين. ـكاتب وأكاديمي فلسطيني ـ القاهرة