السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 بدأت «ليالي الأنس» في «فيينا» على يد باشا تركي كان سفيرا للإمبراطورية العثمانية في العاصمة النمساوية هو «محمد» باشا الأناضولي، كان ذلك في عام 1665، وخلال عام واحد قضاها هناك استمتعت الأرستقراطية بكل مالم تكن تحلم به من مظاهر البذخ والترف، عرفت لاول مرة مذاق «الآيس كريم» وعصائر الفاكهة والملبن المحشو بالمكسرات والدخان المشبع بالعنبر وماء الورد، وعرفت لأول مرة مشروبا لاذعا داكنا معطرا بسحر الشرق يوقظ الحواس ويدغدغ الأعصاب ويفور برغوة مثيرة هو القهوة التركية. كان سفير الباب العالي يقدم القهوة في طقوس خبلت العقول، كانت هناك مجموعة من الغلمان يتسمون بجمال واضح يرتدون الحرير المزركش والمرصع بالفضة والذهب ويغرقون في العطور وينحنون وهم يصبون القهوة وينتظرون حتى ينتهي الضيف من ارتشافها، وبهذه الطقوس لعبت الدبلوماسية العثمانية دورا سياسيا بارعا في السيطرة على النخبة الحاكمة في أوروبا كلها. بعد نحو 20 سنة، بالتحديد في عام 1683 كانت النمسا محاصرة بالقوات التركية، وعلى وشك اختراقها، ولكن، خرج من بين الحصار مغامر بولندي قيل أنه أرمني يعيش في «فيينا» قبل ذلك بسنوات ويتكلم التركية والعربية ويدعى «كولتشكي» قام بفتح الطريق امام القوات الأوروبية (قوات الحلفاء بلغة العصر) بعد أن تنكر في زي تركي وجاء بمعلومات خطيرة أدت الى استرداد النمساويين بلادهم، وكانت المكافأة التي طلبها غريبة، أن يأخذ أكياس الحبوب التي تركها الأتراك وراءهم وظن النمساويون أنها طعاما للجمال، وكانت في الحقيقة اكياسا بها حبوب البن، وقام «كولتشكي» بصناعة نوع من الفطائر على شكل هلال، رمز الامبراطورية الاسلامية العثمانية ليأكلها الناس في أوروبا فيشعرون باللذة، هذه الفطائر هي التي نعرفها بـ «الكرواسون»«. وبـ «الكرواسون» والقهوة التركية افتتح أول مقهى في فيننا هو مقهى «القنينة الزرقاء». لا يذكر الدكتور برنارد لويس هذه القصة في كتابه المثير «أين الخطأ: التأثير الغربي واستجابة المسلمين»، والدكتور «برنارد لويس» هو أهم باحث معاصر في الدراسات الاسلامية، ومتخصص في الدولة العثمانية، ومستشار البيت الأبيض في كل مايهم الاسلام والمسلمين، وكان وراء صياغة الجزء الحضاري النفسي والديني في الخطة العسكرية الاميركية على العراق، أما كتابه: «أين الخطأ؟» فهو كتاب دستور لكيفية التعامل مع مايوصف بالارهاب الاسلامي، ورغم انه كتاب أكاديمي نشرته جامعة «أكسفورد» الا أن أحداث سبتمبر جعلته كتابا جماهيريا شعبيا لكل من يتلهف للتعامل مع العدو «الخطير»: «الاسلام»، لذلك كانت ترجمته الى اللغة العربية ضرورة كي يفهم كل مثقف مصاب بالحيرة أمام مايجري كيف يمهد المثقفون والباحثون الطريق للسياسيين والعسكريين؟، فشكرا لطاقم الترجمة العربية الصادرة عن دار «سطور»: الدكتور «محمد عناني» مترجما، والدكتور رؤوف عباس محققا وشارحا. ولد برنارد لويس في لندن في مايو 1916 لاسرة يهودية «شكنازية» نزحت الى بريطانيا واستقرت فيها، وحصل على درجة الليسانس بدرجة امتياز في التاريخ من مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية التابعة لجامعة لندن في عام 1936 وحصل على درجة الدكتوراة في المدرسة نفسها بعد 3 سنوات وكانت رسالته عن «الطائفة الاسماعيلية وجماعة الحشاشين»، وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية التحق بالمخابرات البريطانية التي كانت ترى ان الدين والثقافة والعادات الاجتماعية هي أدوات للسيطرة على الشعوب أكثر من الجيوش والأموال، وقد ظل على علاقته بها حتى انسحبت بريطانيا نهائيا من الشرق الأوسط فراح يبحث عن القوة الجديدة التي يقدم لها خبرته، وهكذا، ترك بريطانيا وهاجر الى الولايات المتحدة الاميركية، وانتقل الى جامعة «برنستون» واصبح مستشارا لصناع القرار في الكونغرس والبنتاغون والخارجية في كل ما يختص بالعرب والمسلمين، وعندما وقعت هجمات سبتمبر فتح البيت الأبيض أبوابه له، والتقى بالرئيس «جورج بوش» سبع مرات، وسيطر على مساحة ليست صغيرة من عقله ووصف بعدها بأنه «حجة ومرجعا في الشئون الاسلامية والشرق الأوسط لا غنى عنه لصانع القرار الأميركي». لقد انضم «برنارد لويس» مفكرا ومؤرخا الى اللوبي اليهودي في وزارة الدفاع والذي يمثله نائب الوزير «بول وولفوفيتز» ومستشارها «ريتشارد بيرل» لتكتمل اللعبة بين الفكرة والقنبلة، بين الأيديولوجية والرصاصة، بين غسيل المخ والسيطرة على الارض بالاحتلال العسكري المسلح. وحسب مارصد الدكتور «رؤوف عباس» فإن كتاب «أين الخطأ؟» هو تكرار لما سبق أن قاله «برنارد لويس» في كتب اخرى سابقة، مثل كتابه: «تكوين الشرق الأوسط الحديث»، وكتابه «الشرق الأوسط في الألفي عام الاخيرة» وكتابه: «تعدد الهوية في الشرق الأوسط»، لكن، خطورة «أين الخطأ؟» انه جاء في وقته ليفسر للغرب ماعجز عن تفسيره في أعقاب ماسمى بهجمات «سبتمبر» وهو تفسير بدا مريحا، أن بين الاسلام والغرب عداء تاريخي وديني قديم لم يخف مع الزمن بل زاد وتضاعف شراسة، ولا مفر من ان يسيطر الغرب على دول الاسلام بالقوة والكلمة والصورة التليفزيونية الملونة المرسلة عبر الاقمار الصناعية، لا مفر أن يفعل الغرب كل مافي وسعه للقضاء على محور «الشر» والا ضاعت حضارته وداستها أقدام «الهمجية»، وبصريح العبارة يقول «برنارد لويس»: «إن المسلمين يكنون الاحتقار بصفة عامة للغرب الكافر» وهي عبارة كفيلة باستفزاز الغرب وتحريك جيوشه. أما محور الشر في رأيه فهو المنطقة الممتدة من مملكة المغرب الى أطراف جمهورية الصين الشعبية، قد كانت هذه المنطقة المعروفة بـ «قوس الاسلام» مقطوعة في منتصفها بسبب سيطرة الاتحاد السوفييتي على الجمهوريات الاسلامية التي كانت خاضعة لسيطرته وسلطانه، لكن، هذه الجمهوريات استقلت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واتصلت بالدول الاسلامية في الشرق الأوسط والدول الاسلامية في الشرق الأقصى وهو اتصال جعل مصير العالم الاسلامي واحدا، وجعل خطة التعامل معه واحدة، وهكذا، وضعت مصر والسعودية واندونيسيا وتركيا وايران وأزبكستان ولبنان في سلة واحدة، دون فروق مذهبية أو حضارية أو سياسية أو سكانية أو لغوية، فكله عند الغرب بفضل «برنارد لويس» اسلام. بل أكثر من ذلك نجح «برنارد لويس» في اقناع الغرب بأن العالم الاسلامي كله يتجسد في كيان واحد هو الدولة العثمانية، ولم يكن ذلك لخبرته الأكاديمية بهذه الدولة، وإنما لهدف سياسي يمكن أن ننسب اليه الدهاء أو الخبث ونحن مطمئنون، فالدولة العثمانية هي الدولة الاسلامية التي وصلت جيوشها الى قلب أوروبا ووصلت الى حد تهديد النمسا واجبار الباب العالي بالقوة على توقيع معاهدة سلام عرفت باسم معاهدة «سيتفاتورك» معها في عام 1906 وهي المعاهدة التي فرحت بعدها أوروبا بفطيرة «الكرواسون» سخرية من الهلال، رمز الاسلام التركي. يقول الدكتور «رؤوف عباس»: إن «برنارد لويس» يركز دراسته على الدولة العثمانية ويعتبرها معبرة عن الاسلام والمسلمين ولا يرى الاسلام والمسلمين خارجها، فلا يشير الى بلاد فارس الا لماما (عندما يتحدث عن الصراع التاريخي بين الشيعة والسنة وكيفية توظيفه لصالح الغرب كما حدث بين الدولة الصفوية الشيعية والدول العثمانية السنية التي أضعفت الدولة العثمانية فلم تستطع أن تكمل غزوها لأوروبا) وهو يسقط وسط آسيا الاسلامي تماما من اعتباره كما يفعل الشيء نفسه مع شبه القارة الهندية، وهو اختزال له ما يبرره من وجهة النظر الايديولوجية له، فهو يريد أن يقدم الاسلام والمسلمين باعتبارهم «خطرا» موجها ضد أوروبا عامة (مركز الغرب ونموذجه وقت الامبراطورية العثمانية)، فقد كانت هذه الامبراطورية هي العدو «المسلم» الذي عرفته أوروبا منذ القرن الخامس عشر حتى انحسر تهديدها لوسط أوروبا أواخر القرن السابع عشر، فقد ترسبت لهم صورة قبيحة في العقلية الأوروبية، واحتل صراع العثمانيين ضد الاوروبيين خلال هذين القرنين موقعا مهما في كتب التاريخ الأوروبية، ومن هنا جاء اختزال «برنارد لويس» للإسلام في الدولة العثمانية وللمسلمين في الأتراك، فهو يبنى على أسس قائمة في الثقافة الأوروبية، فإذا كان التركي العثماني عدوانيا دمويا في اجتياحه للبلقان ووسط أوروبا قاسيا في معاملاته للبلاد الاوروبية التي وقعت تحت نيرة الى حد فرض ضريبة الدم «الدوشرمة» عليهم والتي بموجبها انتزع أطفالهم الذكور الأصحاء من بين أحضانهم ليصبحوا عبيدا للسلطان وجندا له، فهذا هو الاسلام، وذلك شأن المسلمين مع المسيحيين، فهم لا يرون الآخر الا عبدا لهم! ولا جدال ان هذا المنهج قاصر للغاية ويكاد يكون مثل ثوب مهلهل، ما فيه من ثقوب أكثر مما فيه من نسيج، فالامبراطورية العثمانية لم تكن كيانا سياسيا متجانسا، كانت كيانا إقطاعيا فضفاضا، تكاد لا تكون للسلطة المركزية فيها سوى سيطرة شكلية، ولم تكن السلطة المركزية تفكر في ولاية من الولايات الا في حالة التمرد والعصيان، وكانت الولايات في حد ذاتها تضم خليطا من الأجناس والأعراق والثقافات والديانات: العرب والترك والجركس والاكراد والأرمن والبربر والبلغار والتتار والألبان، كما كانت تضم ـ الى جانب الاغلبية المسلمة ـ مسيحيين ويهوداً بمختلف مذاهبهم، ولو تعمد «برنارد لويس» تمرير الأمور من ثقب ابره فهذا ليصل الى ما يريد من استنتاجات مجحفة منها: ان المسلمين لا يحترمون سوى انفسهم ولا يعترفون بإيمان جماعات اخرى سواهم، وهم لا يقبلون السلام بسهولة وانما يجب ان يفرض عليهم، وهم يجدون حججا جاهزة لعجزهم وفشلهم، وهم عاجزون عن تقبل ما تأتي به العصور من تغيرات سياسية وحضارية، فقد دخلوا كهف التاريخ ولن يخرجوا منه الا بالقوة، الشيء الوحيد الذي يحترمونه. ولست هنا في معرض الرد على كل الكوارث الفكرية التي وضعها المؤرخ اليهودي الذي تربى في مدارس المخابرات الغربية وعمل طوال عمره في خدمتها فهذه مهمة لا اقدر عليها ولا يقدر عليها مثقف واحد مهما تفرغ لذلك، ما أسعى اليه هو لفت النظر الى خطورة هذه الرجل، وكتابه، فهو ليس مفكرا عاديا، وكتابه ليس مجرد اجتهاد ثقافي، هو رجل قرر أنه يوجه علمه لخدمة الامبراطوريات الاستعمارية المتعاقبة ومنحه طول العمر ذلك، وكتابه هو الأساس الفكري الذي توضع عليه خطط الغزو والتغيير في الشرق الأوسط بشكله الجغرافي الجديد (من المغرب الى الصين)، ومن ثم فإن هذا الكتاب يجب ان يقرأه كل مثقف مهتم بما يجري من حوله، ويجب ان يناقش على كافة المستويات، ولو كنت أول من لفت النظر اليه بعد أيام قليلة من صدوره فإن ترجمته الى اللغة العربية هي عمل يستحق الشكر، فشكرا لكم من ترجم وحقق ونشر. ـ كاتب مصري