السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 .. ظهرت في الآونة الأخيرة إعلانات عديدة في الصحف المحلية تروج للخدمات الاجتماعية والتربوية، وقبل أن نتساءل عن ماهية هذه المكاتب أو الخدمات التي تقدمها، ومدى قابليتنا كأفراد في المجتمع لهذه النوعية من الخدمات نستعرض لكم أحد هذه الاعلانات: ـ هل تبحث/ تبحثين عن الزوج/ الزوجة المناسبة؟ ـ هل لديك أي مشاكل اجتماعية/ تربوية/ تعليمية لأسرتك؟ ـ اذن فاتصل بنا في مكتب الخدمات الاجتماعية والتربوية.. مديرة المكتب.. أم فلان!! .. وبكل تأكيد فإننا لا نستطيع اطلاق اي حكم بالسلب أو بالايجاب على مثل هذه المكاتب، ولكن هل يتبادر الى الذهن ان جميع مشاكلنا الاجتماعية والتربوية، ومشاكل الزواج والطلاق سيتم حلها عن طريق مكالمة هاتفية.. إذا كان ذلك صحيحا فإن انشاء مكتب او مكتبين من هذا النوع يغني عن اقسام كبيرة في المحاكم ومراكز الشرطة!! والملفت للنظر ان بعض هذه المكاتب بدأ بالفعل يتمادى في كيفية وطريقة نشر الاعلان لدرجة أن البعض أراد استبدال الإعلان السابق بإعلان آخر مكتوب فيه: ـ هل تفكر/ تفكرين في دخول القفص الذهبي؟ ـ هل تبحث/ تبحثين عن زوج/ زوجة ذي/ ذات: جنسية معينة ـ عمر معين ـ وضع مادي جيد ـ وضع اجتماعي لائق ـ شكل جميل ـ صحة جيدة ـ اخلاق عالية؟ ـ هل ترغب/ ترغبين في زواج عادي أو زواج مسيار؟ ـ ما عليك سوى ملء الاستمارة وارفاق صورة من البطاقة الشخصية أو صورة من جواز السفر و100 درهم أو ما يعادلها للزواج العادي، و200 أو ما يعادلها لزواج المسيار كأتعاب (غير قابلة للرد) وارسالها الى.. أم فلان!! .. طبعاً الاخوة في دائرة الاعلانات جزاهم الله خيراً لم يقبلوا نشر هذا الاعلان بعد أن شعروا ان الموضوع مثير للشك ولا يخلو من (الضحك على الذقون) واستغلال حاجات الناس، فالطريقة المكتوب بها الاعلان تثير الاستفزاز والغضب والريبة والشك حتى إن صدقت نوايا المكتب المعني.. .. لا يختلف اثنان على وجود مشاكل اجتماعية في مجتمعنا اهمها زواج الشباب من اجنبيات، وزيادة معدلات الفتيات في سن الزواج، ولكن هل الزواج عن طريق مثل هذا الاعلان هو الحل؟! منذ متى أصبحت الـ 100 والـ 200 درهم هي مفتاح السعادة التي تفتح بها كل فتاة أبواب مستقبلها لتجد فارس أحلامها في درج من أدراج المكتب!! .. القضايا المهمة وعواطف الناس ومشاعرهم لا تعالج بهذه الطريقة التافهة المثيرة للسخرية، ومشاكلنا الاجتماعية لا تحل بمشاكل أكبر منها، وأحاسيس الفتيات والشباب لن تجمع عن طريق مكتب لا يفكر إلا بالمئة درهم غير قابلة للرد. لا ننكر أبداً وجود أعداد من الفتيات والشباب الراغبين في الزواج، ولن نستغرب أبداً اذا قامت مجموعات كبيرة منهم بالاتصال والتقدم لمثل هذه المكاتب كما تقدموا من قبل للمجلات ومواقع الانترنت، ولكن هل هذا هو الحل.. وهل هذه المكاتب هي ضالتهم التي سيجدون احلامهم الوردية فيها؟ لا اعتقد ذلك.. .. مشكلة الزواج في مجتمعنا مشكلة ـ عويصة ـ لن تحل عن طريق هذه الخدمات الاجتماعية ولا حتى عن طريق صندوق الزواج الذي يبذل جهوداً جبارة لامثيل لها في جميع الدول العربية من اجل استقرار افراد المجتمع.. لأن القضية مازالت أكبر من ذلك فهي تكمن في المفاهيم وطريقة التفكير وبعض العادات والتقاليد.. مازال البعض والجميع يعرف ذلك يصرون على الحفلات الضخمة والمصاريف الباهظة، ومازال البعض يرفضون الرجل لا لشي سوى لانه أسمر أو أحمر أو غير مناسب مادياً، أو ليس «منّا وفينا»، وأحياناً كثيرة تتعدى أسباب الرفض ذلك لتصل إلى «عرج دساس» في سابع جد أو ثاني جد، وأحياناً كثيرة أم أو خال أو حتى: «البنت مالها غير ولد عمها»!! .. الجميع يتحدث عن المثالية والكثيرون يتحدثون عن المساواة ولا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى، والجميع يتحدث عن الاسراف والحفلات والصالات الضخمة التي لافائدة منها، ولكن ما إن يبدأ «الخطيب» بطرق باب البيت حتى يتناسى البعض ذلك وتبدأ التعقيدات والأعراف والتقاليد التي لم نستطع إلى يومنا هذا التحرر منها.. .. طبعاً ومع كل هذا فإنه ولله الحمد هناك الكثير من العقال والزهاد واصحاب الشيمة والعقلانية الذين يطبقون قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه».. ولولا وجود هذه العينات، صدقوني فلن نرى «ليتات العرس» تزين بيتاً من البيوت إطلاقا!! .. وأخيراً هل تستطيع مكاتب الخدمات تغيير هذه المفاهيم ولم شمل الغني بالفقير.. أشك في ذلك!!