السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 مصيبة المصائب ليست في وجود مشكلة، فالعالم يزخر بالمشاكل من كل نوع، لكنها في عدم الاعتراف بها إلى درجة تجاهلها والتقليل من أهميتها. والكارثة حينما تكون من نوعية تلك المشاكل التي تجاوزت التوصيف المتواضع بأنها مشكلة ودخلت نطاق المعضلة المعقدة أو التحدي الذي يهدد الجميع حاضراً ومستقبلاً. ولا نظلم أحداً، لكن ذلك التقرير الذي أوردته صحيفة «البيان» مطلع الأسبوع الماضي حول وجود نصف مليون عاطل عن العمل في دولة الإمارات، كلهم بلا استثناء من العمالة الهامشية الوافدة والتي تعاني من ضعف المستوى التعليمي والتأهيل الحرفي المناسب للقيام بأي عمل انتاجي يعيدنا وبقوة إلى معضلة التركيبة السكانية التي يدعي البعض عدم وجودها تماماً! والتقرير أعدته لجنة شكلها مجلس الوزراء من عدة وزارات ذات صلة بقضية التركيبة السكانية والعمالة الوافدة، ومع ذلك فهناك من داخل مجلسنا الوطني الموقر من لا يزال مصراً على عدم وجود مشكلة عمالة أجنبية وتبعاً لذلك فهو يعلن بكل بساطة بأنه لا وجود لشيء اسمه خلل في التركيبة السكانية في دولة الامارات! مصيبة المصائب أن يعلن أمر كهذا تحت قبة المجلس الوطني المعني ببحث اشكاليات الوطن والمواطن والمجتمع، والذي يعاني الجميع فيه من هذه المعضلة تحديداً وبكل أبعادها، واعتقد بأن زملاء وزميلات لنا كانوا قد جعلوا خلل التركيبة السكانية عناوين لأبحاث تخرجهم عندما كنا طلبة في جامعة الامارات في بدايات الثمانينيات، فهل تكون مفارقة أن يشعر بكارثة الخلل طالب أو طالبة في العشرين من عمره ومنذ أكثر من عشرين عاماً، بينما ينكرها مسئولون تقع على كواهلهم مسئولية حماية الوطن وكشف مغاليق معضلاته وتحدياته أمام صاحب القرار لمواجهتها ووضع الحلول لها؟ لمصلحة من يتم تجاهل خلل التركيبة السكانية في المجلس الوطني الاتحادي تحديداً؟ لا نريد الخوض في الاجابة، فتركيبة المجلس الوطني في معظمه مكونة من رجال أعمال بارزين ومرموقين ويعلمون تماماً تفاصيل المشكلة بالأرقام والجنسيات والأعمار، حتى وإن تجاهلوا وجود المشكلة اعتقاداً منهم بأنهم لا يريدون اثارة الزوابع في فصل الصيف الحار الذي كان يمر به العالم منذ أكثر من شهر تقريباً! الانعكاسات الأمنية والاجتماعية والثقافية تظهر كل يوم على صفحات الجرائد: جرائم اغتصاب أطفال، مخدرات، أمراض، اعتداءات أمنية مختلفة، استهلاك غير مقنن لمرافق ينفق عليها ملايين الدراهم من غير أي مردود، تكتلات بشرية تشكل قنابل موقوتة ضمن كانتونات مغلقة على أصحابها في أحياء وتجمعات سكنية تنام على أزمات ومصائب لا يدري سوى العالمين ببواطن الأمور منتهى مخاطرها، ووطن لا يستفيد منهم ولا ينتظر سوى الأزمات بالفعل، وإلا فما معنى أكثر من 500 ألف عاطل في الدولة من أصحاب المستويات التعليمية والحرفية المتدنية جداً؟ وإلى أين يعتقد الاخوة في المجلس الوطني انها ستقود المجتمع؟ هناك لجان على مستوى الدولة وضمن المجلس الوطني تحت مسمى خلل التركيبة السكانية، كما نعلم، فكيف يمكن انكارها؟ هناك اجراءات اتخذت للحد من تفاقم أزمة موجودة، وخاصة قرار ارتفاع تكلفة استقدام العمالة الوافدة، وقرار الضمان المصرفي وقرار شهادة الثانوية كحد أدنى لجلب العمالة... والخ، كل هذه القرارات والقوانين الوزارية جاءت اعترافاً بالمعضلة ومحاولة من الحكومة للحد منها، فكيف ينكر الاخوة في المجلس الوطني المشكلة بهذه البساطة؟ المصيبة الأخرى ليست في مشكلة الحد من استقدام العمالة، ولكن في استقدام عمالة هامشية لا عمل لها في الحقيقة وفق ثغرة خطيرة هي الشركات والمنشآت الوهمية التي يبلغ تعدادها 180 ألف منشأة على مستوى الدولة، كل مهمتها المتاجرة بالوطن تحت لافتة سيئة هي المتاجرة بالتأشيرات! فكيف سيعمل المجلس الوطني على مواجهة اشكاليات المجتمع إذا كان لا يعترف بها أصلاً؟ Aishasultan@hotmail.com