استراحة البيان، يكتبها اليوم: ظاعن شاهين، .. ومازالت النهاية مفتوحة !

السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 لم تكن الحرب على العراق سوى فيلم هوليوودي طويل، أراد صانعوه أن يستمر عرضه حوالي السنتين أو أكثر، ويستمر تأثيره زمناً ليس بالقصير.. ولأن افلام هوليوود خلطة سرية كخلطة الكوكاكولا لا يعرف اسرارها سوى المختصين، فلابد وأن يتم تبهيرها بالحركة والاثارة والرومانسية والتتابع واللهاث والعنف لمطاردة الاشرار والانتصار الأكيد عليهم! ومن هنا، وفي الزمن الاميركي الذي نحياه، فإن كل شيء عرضة للتصنيع والبيع، ففي الولايات المتحدة لا حدود للاشياء، فالذي يراه البعض واضحاً وشفيفاً، ربما لا يكون كذلك، فالحياة هناك لا تقف عند حدود معينة، فالسياسة، والاقتصاد، والمال، والاعمال، والدعاية والاعلام جميعها تتداخل بشكل مثير، حتى انك تقف حائراً في فهم تلك العلاقات المتشابكة والمترابطة بخيط شفيف. فمن البيت الابيض ومن غرفة نوم الرئيس وحتى اصغر شركة في ابعد ولاية اميركية تترابط الاشياء وربما تتحد احياناً.. وبعيداً عن الاصوات المناهضة للحرب، والتدخل في شئون الدول الاخرى، والمطالبة بسياسة خارجية اكثر اعتدالاً وانسانية، نجد ان هناك جماعات، ومنظمات، وشركات كبرى، وتحالفات خفية، ومتنفذين يرون مصلحتهم في تواصل تلك السياسة المثيرة للجدل، بل ودعمها بكل ما اوتوا من قوة! وحتى لا اقف عند ابواب السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية، انتقل للداخل الاميركي وارصد اهتمام الرأي العام هناك، وكيف يوظف رجال الدعاية والاعلان السياسة في المال والاعمال، وكيف يكسبون ويتكسبون من مصائبها؟! الاميركيون منشغلون هذه الايام في قراءة كتب واسرار ووثائق كثيرة عن بلاد الرافدين التي اصبحت بحكم السياسة الاميركية وتبجح كتابها الولاية رقم (51)، فقد نشطت دور الكتب الكبرى في القاء الضوء على تلك البقعة القديمة الجديدة، من خلال اصدارات مختلفة، بعضها يتحدث عن اسباب الحرب، ومغزاها، ودوافعها، ونتائجها، والمأمول منها، وأخرى تتحدث عن كنوز العراق الاثرية، وثالثة نشطت في ابراز الاسرار الخفية في صناعة القرارات الاميركية، وكيف تتداخل المصالح وتتشابك مع اولويات صناع القرار. وبالطبع فلكل كتاب قراء، ولكل مجال مهتمون، فمن يهتم بالاسرار يجد ضالته فيها، ومن يهتم بالتاريخ والآثار يجد مادة ثرية وغنية وجديدة، ومن يهتم بالاختلاف ومناهضة سياسة بوش وتشيني وباول وكوندوليزا رايس يكتشف وبشكل يومي اطناناً من الاسرار والاوراق المثيرة. قبل ايام انشغلت الصحافة والرأي العام الاميركي برجل اصبح حديث الشارع هناك هو المحامي العراقي محمد عودة الرهيف الذي ابلغ القوات الاميركية خلال ايام الحرب على العراق عن مكان احتجاز المجندة جيسيكا لينش، والتي كانت طريحة مستشفى بمدينة الناصرية تعمل فيه زوجة الرهيف ممرضة. والرهيف الذي ارشد عن مكان جيسيكا التي ظلت تسعة ايام في الاسر لم يخرج من مولد الحرب بلا حمص، فقد وقع عقداً بقيمة 500 الف دولار فقط لتأليف كتاب يروي فيه تفاصيل عملية الانقاذ التي جعلته بطلاً في نظر الاميركيين. المثير ان محمد عودة سيقوم بتأليف الكتاب باللغة العربية لأنه لا يتحدث او يكتب الانجليزية، وسيقوم الكاتب الاميركي جيف كوبلون الذي ساعد الطيار الاميركي سكوت أوغرادي في تأليف «عودة مع الكرامة والشرف» الذي يحكي تفاصيل اسقاط طائرته في العام 1995 بالبوسنة وعودته من الاسر، سيقوم باعداده باللغة الانجليزية. والذين يعتقدون ان الجنرال الاميركي المتقاعد غاي غارنر الذي كلف قبيل الحرب رئاسة مكتب اعادة الاعمار والمساعدة الانسانية في العراق سيخرج خاسراً بعد استبداله بالدبلوماسي بول بريمر، هم واهمون، فقد وضعت دور النشر الاميركية الرجل ضمن اهتماماتها لأن الفترة التي قضاها في العراق فترة مفصلية مهمة بالنسبة للاميركيين، والرجل الذي شاهد بأم عينيه الكثير من التفاصيل، سيخرج من العراق بزوادة كبيرة تؤهله أن يكون احد اثرياء الحرب بعد ان يرى كتابه النور. ومن الكتب التي يتخاطفها الاميركيون حالياً كما اشار لي صديق قادم من نيويورك الكتب التي تتعلق بالتحليل النفسي، خاصة تلك التي تتحدث عن شخوص الادارة الاميركية الحالية، وكان عالم النفس في جامعة كاليفورنيا كيث سيمونتون مؤلف كتاب «لماذا ينجح الرؤساء» قد حصد نجاحاً مثيراً ومثله عالم السياسة جيمس دافيد باربر مؤلف «كتاب الاخلاق الرئاسية» والذي يشير فيه إلى ان من يدرس احوال الرئاسة الحالية سيصل إلى ان لاخلاق الرئيس اهمية وتأثيراً اكيداً في مجريات الامور، بل ان اخلاق المرشح اصدق انباء عن شخصيته وادائه من كل الوعود والاقتراحات الانتخابية التي يطرحها اثناء حملته. ويعطي باربر مثالاً على ذلك ليندون جونسون فيشير إلى ان قصة جونسون مع حرب فيتنام هي اكثر الامثلة اثارة للرعب في العصر الحديث، فقد كان جونسون يدعي بأنه مرن ومحب للسلام لكنه ما لبث ان تحول إلى التصلب في سياسته العسكرية الفاشلة وذلك بسبب سلوكه القهري المتصلب، ويتابع باربر بأن الرئيس ايزنهاور يمثل نموذجاً آخر للشخصية السلبية التي تنسحب من المواجهة لاسباب اخلاقية تاركة حلها للآخرين، ومن هنا كان فشله في محاربة المكارثية والمشكلات التي حدثت ايامه مثل انحلال الحياة في المدن ومظاهر الشغب العرقي، تلك الملامح التي تتكرر الآن في عهد جورج دبليو بوش وكأنه اراد ان يكون تركيبة جديدة معدلة من النسختين السابقتين ايزنهاور وجونسون. وبعيداً عن شخصية بوش الابن وفريق ادارته المحفوف بالمصالح والتحالفات وتشابك المصالح الذاتية فإن الحرب على العراق فتحت ابواباً للتكسب والثراء واقتناص الفرص بدءاً من بائع الصحف وانتهاءً بالرئيس.. انه فيلم هوليوودي طويل نهايته مازالت مفتوحة! Dhaen66@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات