السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 رغم أن الموقف السياسي الذي نحياه عربيا لا يستدعي معارك جانبية إلا أن ما يطرحه البعض من مثقفينا يتطلب وقفة نظرا لصعوبة الأخذ بمنطق مرور الكرام على ما يتم طرحه. فوسط التطورات بالغة الخطورة على صعيد ما يجري في العراق من الغريب أن يخرج علينا مثقف مثل الدكتور عبدالمنعم سعيد مدير مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مقال له بمجلة الأهرام العربي ليفند بكل ما أوتي من حجج ما يتردد عن كون العراق يعد بمثابة كعكة تسعى قوى شريرة مختلفة ومتنوعة - على حد تعبيره - للاستيلاء عليها معتبرا ما يتردد في هذا الخصوص نوعا من التبسيط المخل باعتبار أن اجمالي الأعباء المالية على العراق حسب تقديره تصل الى تريليون ومائة واربعين مليار دولار ! وهو مبلغ من الفداحة بحيث لا يجعل من العراق كعكة على وجه الإطلاق! يستدعي الحديث عن هذه القضية أيضا ما نشره كذلك الدكتور شاكر النابلسي « باحث ليبرالي حسب تعريفه لنفسه » في مقالة له على موقع ايلاف الالكتروني ينتقد فيه الدكتور أحمد الكبيسي الذي راح لدى عودته الى العراق يدعو العراقيين الى المطالبة برحيل القوات الأميركية عن البلاد وقيادته مظاهرة منددة بالاحتلال معتبرا أن - النابلسي - الاولوية ليست لمواجهة الاحتلال وأنه لولا القوات الأميركية ما كان الدكتور الكبيسي ليعود الى العراق أو حتى أن يتكلم بحرية كما يتكلم الآن! يدعونا ذلك الى القلق من توجهات بعض مثقفينا ومناقشة ما يطرحون تجنبا لخلط الاوراق وتصحيحا للعديد من الرؤى التي لا يمكن أن تعكس المصلحة القومية العربية ليس بمنطق الوصاية وانما بمنطق توضيح الحقائق. وهنا فإن الأمر الغريب حقا أن تضيع البوصلة من بعض مثقفينا فلا ندري عن أي هدف يدافعون أو أية قضية يتبنون. وبداية وتفنيدا لنفي مقولة الكعكة العراقية نقول أنه اذا كان العراق مثقلا بالقروض بالمنطق الحسابي فقد بدأت الادارة الأميركية في تكثيف مساعيها لاسقاط ديونه وليس ادل على الاستجابة لهذه الدعوة من اعلان روسيا استعدادها للنظر في الأمر والتي تصل مستحقاتها ما يتراوح بين ثمانية وأثنى عشر مليار دولار. الى جانب ذلك فقد طرحت الولايات المتحدة فكرة خفض نسبة ما يتم خصمه لصالح الكويت من تعويضات الى نحو خمسة في المائة مما يتم صرفه حاليا. ما نريد قوله أن الولايات المتحدة إنما تمهد الأرض للاستفادة مما يرفض عبدالمنعم سعيد إعتباره كعكة عراقية، إن أطماع واشنطن في نفط العراق ليست خافية خاصة في ضوء التقديرات التي تشير الى أن مخزون النفط العراقي يعد الثاني عالميا بعد مخزون السعودية، الى جانب ما يمكن أن تجنيه واشنطن بالطبع من عمليات إعمار العراق وهي العمليات التي ثبت انها تحاول من خلالها الاستئثار بنصيب الأسد. فضلا عن ذلك فإننا لو أخذنا بمنطق سعيد فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا اذن قامت الولايات المتحدة بغزو العراق؟ الاجابة المسكوت عنها في مقالة سعيد هي أن ذلك يأتي لأسباب خيرة وليست شريرة كما قد نتخيل تتمثل في مصلحة الشعب العراقي أولا وأخيرا وهو منطق لم يقل به الأميركيون أنفسهم! أما بالنسبة لما أثاره النابلسي فنشير الى أن الولايات المتحدة نفسها اعترفت بأنها قوة احتلال ولا ندري ازاء اختلاط المعايير ماهو الأمر المفروض على مواطني دولة احتلتها دولة أخرى ؟ هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها عن دعوة للترحيب بالمحتل. ثم من قال ان المطالبة برحيل القوات الأميركية يجب أن تنفذ بين يوم وليلة في ظل حالة الفوضى التي تجتاح العراق وقبل ارساء قواعد حكومة وطنية تقوم على حكم البلاد. لكن المشكلة أن الأمر ليس كذلك، فالسياسات الأميركية في العراق حتى الأن لا تقول بذلك، وإنما تشير الى أنها قوة احتلال من نوع جديد يستهدف صياغة أسس الدولة المحتلة من جديد والبدء بها من مرحلة الصفر، وبالطبع وفقا لمصلحة المحتل ؟ وإلا فليقل لنا النابلسي ومن يتبنون اتجاهه كيف يمكن التصرف مع محتل يستهدف القضاء على ذاكرة وتاريخ دولة ونهب ثرواتها ؟ يجعلنا ذلك نؤكد على ما وصل اليه الدكتور حسن نافعة في مقالة له بمجلة المستقبل العربي عدد مارس الماضي من أن الحال انعكس بالنسبة لبعض مثقفينا العرب بحيث أصبحوا في خدمة الأمير الأميركي بدلا من العربي متخذا من فؤاد عجمي نموذجا لموضوعه فأطروحات بعض المثقفين تثير الحيرة والريبة حتى أنه يمكننا القول بدون مبالغة أن حياتنا الثقافية مليئة بالكثير من العجميين. بل أننا اذا كنا نلتمس لفؤاد عجمي العذر في تحوله من يساري مدافع عن القضية الفلسطينية الى بوق معاد للعرب، وتلميع آرائه من قبل اللوبي الصهيوني على طريقة وشهد شاهد من أهلها وباعتبار أن الانسان ابن بيئته وهي الأميركية في هذه الحالة، فإن السؤال يفرض نفسه حول المثقفين الذين رضعوا وتربوا وترعرعوا في بيئة عربية؟ التفسير الذي يمكن طرحه هو أن بعض مثقفينا العرب إما أنهم وصلوا الى مرحلة استلاب الوعي وهنا ينسلخون عن جلدهم ويتنكرون لبني أمتهم، وإما أن يحدث لهم نوع من تزييف الوعي فيتبنون غير قضايا أمتهم، وإما أنه يتم شراؤهم، وهو أمر أصبح مألوفا، للدفاع عن قضايا العدو. ونحن ننزه سعيد والنابلسي عن ذلك غير أن موقفهما وبعض أشباههما تجعلنا نتساءل عن سبب تلك الحالة التي وصل اليها بعض مثقفينا لعلاجها حتى لا تستفحل أزمة المثقفين العرب.