قبل البكاء على الأطلال، بقلم: طلعت اسماعيل

السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 عندما جاء عمرو موسى على رأس الجامعة العربية أمينا عاما استبشر الحالمون بوضع عربي أفضل وأن ثمة اصلاحاً في الطريق لمؤسسة عربية اعتراها الترهل مع الأيام وباتت في حاجة ماسة إلى اياد تزيل ماتراكم على وجهها من غبار واتربة. عمرو موسى الذي حظى بشعبية طاغية عندما كان وزيراً للخارجية المصرية كان يحدوه الأمل وهو يخطو صوب مقر الجامعة بالقاهرة في احداث نقلة نوعية في عمل مؤسسة الجامعة، وبما يجعلها تلحق بسباق عصر التكتلات على صعيد العلاقات الدولية وهو ما يصب بدوره في خدمة قضايا ومصالح النظام الرسمي العربي وبما ينعكس بشكل أو بآخر على ابناء الوطن العربي من المحيط الى الخليج. رغبة عمرو موسى وطموحاته التي تلبي احلام قطاعات واسعة من النخبة العربية والشارع العربي على السواء اصطدمت بالواقع الذي سبق وصول الأمين العام الى موقعه واستمر بعد توليه مهام منصبه.. وهنا ظهر مقدار التباعد بين الاحلام المشروعة في التغيير إلى الأفضل واصلاح حال العرب الجماعي وصخرة الواقع اللعينة التي تأبى إلا أن تتحطم عليها الاحلام الصادقة في امتلاك ارادة الخروج من النفق المظلم الذي دخل النظام العربي فيه منذ حرب الخليج الثانية. نحن لا نود الخوض في معارك جانبيه فما يعنينا في الحقيقة هو مصير الجامعة العربية ككيان يطالب البعض في الوقت الراهن بالتخلص منه باعتباره عورة يجب مداراتها لصالح كيان جديد، السعي إليه ليس وليد اللحظة المعاشة، فالحديث عن الشرق أوسطية لم يتوقف منذ مؤتمر مدريد وما اعقبه من مفاوضات واتفاقيات كان مآلها الفشل في النهاية على صعيد قضية الصراع العربي ـ الصهيوني. لقد شاهدنا في القمة العربية الأخيرة التي عقدت في شرم الشيخ الصراعات العربية ـ العربية على الهواء مباشرة، ولم يكن بوسع المجتمعين اخفاء خلافاتهم وراء الكواليس كما كان يدور في القمم السابقة، وبدلا من الاعترافات بالعجز الرسمي عن تجاوز تلك الخلافات والبحث عن صيغة تضع في اعتبارها ان مصالح الجميع تستدعي الاختلاف الصحى وليس الخلاف، كانت الجامعة العربية الضحية وبات رأسها مطلوباً وكأن الجامعة هي المسئولة عن ظهور الخلافات واستمرار تفجرها التصاعدي مع كل أزمة عارضة او أصيلة تواجه هذه الامة. قد يرى البعض ان الجامعة تجاوزها الزمن ولم تعد قادرة على لعب الدور الذي انشئت من أجله في منتصف الاربعينيات من القرن الماضي كبيت يجمع العرب ويسعى لوحدتهم ثم تواضع هذا الدور مع الايام وهبط سقف الطموح العربي الى الحفاظ على اي شكل من التضامن. وقد يقول البعض ماذا تفعل الجامعة اكثر من إصرار بيانات الشجب والادانة التي غابت حتى في بعض الاوقات وكأن صمت القبور قد مر على مبنى الجامعة في ميدان التحرير بوسط القاهرة. نعم هذا حقيقي.. لكن هل الجامعة العربية ككيان هي المسئولة عن الحال الذي وصلت إليه؟ أم أن الجامعة باعتبارها تعبر عن الارادة الجماعية العربية تدفع ثمن غياب هذه الارادة؟ ولان السؤال يجر السؤال نتساءل ايضا هل لم تعد الجامعة ـ رغم ما تمر به ـ تصلح كمكان وكيان لجمع العرب على كلمة سواء في عصر الاحتلال الأميركي للعراق؟!.. وهل هناك مشروع عربي بديل يمكن ان يكون اكثر نفعاً واجدى مما تقدمه الجامعة العربية. الوضع العربي المتردي، جميعنا يعرفه ولا تحتاج الحقائق الساطعة كالشمس براهين.. نحن نمر من سييء الى اسوأ، يعرف القريب والبعيد المستور قبل المكشوف، والبحث عن مخرج او خلاص فردي هاجس الجميع حالياً، لكن متى كان الخلاص الفردي المشكوك في الوصول اليه حلاً للمعضلة التاريخية التي تجمع العرب مثلما تفرقهم خلافاتهم فوق القارب الذي تتقاذفه الأمواج؟! هاجم بعض المثقفون العرب الجامعة بعنف وانتقدوا اداءها، غير ان هذا النقد في أغلبه لم يستهدف على ما أظن هدم المعبد على من فيه، فأغلب النقد الصادق سعى إلى الإمساك بجذوة التغيير من داخل جدران الجامعة وليس الهروب إلى مسالك مجهولة، وأي مخلص لأمته مهموم بمستقبلها مدرك للظرف الذي تمر به لايمكن أن يقف إلى جوار صيحات اغلاق أبواب الجامعة «بالضبة والمفتاح» ونحن أعجز من تقديم جدران بديله يمكن أن تستوعب خلافاتنا واختلافاتنا وحتى بيانات الشجب والادانة. نظرية التضحية بالأم والجنين ونفض الايدي من العمل الجماعي العربي الذي تشكل الجامعة أحد أهم أشكاله حالياً يحمل من الاضرار اكثر ما يقدم من فوائد.. هذا لا يعني التسليم ببقاء الأوضاع على ما هي عليه، وكفى المؤمنين شر القتال المفروض علينا.. فعدم الاعتراف بلحظة التغيير وإن كانت مفروضة على اعناقنا قسراً بحراب اميركية وصهيونية، لا يعني أن معركة «نكون أو لانكون» غير قائمة. الأمم والشعوب الحية دائماً تبني مستقبلها من خلال الأدوات والوسائل التي تمتلكها في حاضرها.. تطورها وتتخلص من عيوبها أما الهروب إلى الخلف بالتخلي عن الجامعة وتحميلها كل أوزارنا فهو استمرار لعجزنا عن امتلاك ارادة الفعل وهزيمة بالضربة القاضية تضاف الى سجل هزائمنا لصالح مشروع الشرق أوسطية التي تكون اسرائيل السيد فيه بلا منازع والوكيل الاقليمي للقوة الأميركية التي يركبها الغرور. معركة الدفاع عن وجودنا كعرب وسط أمم الأرض لن يكتب لها النجاح إذا اعتقدنا أن الجامعة العربية هي العائق الذي يحول بين الوصول الى النصر.. فلنسعى الى تطوير مؤسسات الجامعة العربية ولنحدث داخلها زلزالاً يبيد كل ما يعوق جمع الشمل مع الاعتراف بالاختلاف وحق الكل في تحديد المستقبل قبل أن يأتي اليوم الذي نبكي فيه على الأطلال أو اللبن المسكوب ونقول كانت هناك جامعة عربية فأصبحت أثراً بعد عين! هدم الجامعة ليس حلاً لمشكلاتنا ربما يكون اصلاحها وتطويرها يحتاج الى جهود جبارة كي تتجاوز عنق الزجاجة الذي وضعناها فيه، لكن الأمر ليس مستحيلا، وانقاذ الجامعة من عثرتها ليس بيضة الديك الخرافية إن صدقت النيات وخلصت النوايا!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات