السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 هل يمكن اعتبار حالة العراق نموذجا للتغيير الذي بقي الأميركيون يرسمونه عقودا وأطلقوا عليه شتى المسميات ليس آخرها العالم الجديد ؟ سؤال لابد أن يبرز من كومة القاذورات والخرائب التي تركها الأميركيون في بغداد ووقفوا يتفرجون عليها، لان الحديث عن إنجاز ينبغي أن يشتمل على حلول ناجعة وليس أفعالا منقوصة، لقد أسقطت الحرب الأميركية نظاما ودولة لكنها لم تقدم حلا لما بعد النظام، والواقع ان الأميركيين عبيد للتفاصيل الدقيقة التي تنتج عن جانب واحد من المعادلة وتقود إلى مئات التوقعات الحمقاء، لكنها لا تقود أبدا إلى حل واقعي، انهم وبعد كل نهار أحمق يركنون إلى ساعات الرقاد التي يعتقدون جزما انها ستمحو غضب وانفعال الساعات الحمقاء تلك، ما ينقصهم هو الواقعية الحديثة التي تغير القوانين المجبولة فيهم، ولذا فهم لا ينتظرون ما وراء الفعل بل يجنحون وبسرعة شديدة إلى القيام به حتى لو كان منقوصا. ذلك يقودنا إلى أن استراتيجيات أميركا مبنية على منفعة مخربة لا تحكمها ضوابط ومستحيلات تقوم على مفهوم: «دع الانتصار يحل حيثما يشاء فسوف نكون في ذلك الجانب، إننا ننتقل من مركز الطبيعة إلى أقطابها» وبالطبع أن تكون لهم حصة في كل شيء تدفعهم للتخطيط للهدم قبل البناء، ولعل ذلك كان واضحا في الحرب على العراق وفيما بعدها لقد بقي الأميركيون يخربون العراق حتى بعد انقضاء شهر على سقوط النظام وسقوط البلد برمته في أيديهم، لم يكتفوا بكل ما ألقوه من محرمات قتلت الشعب ولوثت بيئته وخربته بهمجية غير مسبوقة، بل أصرت على نسف كل مبانيه وإحراقها ليتسنى للشركات المستفيدة، الشركات التي جاءت بحكومة الجمهوريين للبيت الأبيض أن تبني ثرواتها فيه. هذه القوة المنفردة لا تحترم الكل، وتكثف جزئيتها المرفوضة عالميا في كل شيء تسري فيه الدماء، كل شيء تتفشى فيه الحكمة لتفتته إلى جزيئات بليدة ومؤجلة إلى حين ترسمه هي وفق اجندة دينية محضة، فاليمين الأميركي عنصري النزعة وأصولي وقد أشار الكاتب الأميركي رالف والدو إمرسون إلى ذلك عام 1844حين قال: «اعتقد أن مدنيتنا باتت تقارب ظهيرتها،، فتأثير الشخصية في مجتمعنا الهمجي لا يزال في طفولته ولا يكاد وجودها يبدو محسوسا كقوة سياسية بصفتها السيد الشرعي الذي يحق له إسقاط جميع الحكام عن مقاعدهم، إنها شخصية خرجت من الكتب التوراتية، كل فكرة تلقي بها للتقوية على العالم تضر العالم». لكن الأميركيين لم ينظروا إلى مقالة مفكريهم، بقوا يركضون باتجاه واحد لا ينظر إلى ما يتركه من خراب، عليه فقط أن يهدم ما يقف في طريقه وعلى الشعوب الباقية أن تنظف قذارتهم وتستجدى فرصة للبناء، فرصة أميركية للبناء، انهم وفي كل الحروب التي قادوها وعدوا بالاعتراف بحقوق ارفع من تلك التي تتعلق بالحرية الشخصية أو سلامة الملكية، لكنها تعزل الفرد عن الجماعة وتترك الأمور تنحدر إلى الفوضى. حصل ذلك في كوسوفو وفي أفغانستان وفي العراق، واختيار هذه النماذج إنما يرسم صورة السلوك الأميركي الهمجي الذي توحش منذ سقوط المعادل الردعي الذي مثله المعسكر الشيوعي السابق، لكن الأميركيين لم يحرقوا الساحة الحمراء أو يطاردوا الشيوعيين السوفييت ولم يقلبوا أنظمة الحكم للدول الشيوعية الغربية، بل تركوها تسقط كالثمرة الناضجة في فخاخ الرأسمالية الشرهة والعولمة العجوز، فالعولمة وليدة نصف قرن مضى وليست وليدة العالم ما بعد الحرب الباردة، لكنهم يطاردون اليوم كل أيديولوجية عربية، سواء كانت مرفوضة أو مقبولة، طاردوا فكرة الدين الاسلامي كبديل للفراغ الأيديولوجي الذي خلقه السقوط السوفييتي، وطاردوا الرفض المطلق للعولمة، وطاردوا حتى اشد الدول العربية اعتدالا واكثرها صداقة لأميركا. كم عالما ينبغي أن نعد لنرسم اتجاهات السياسة الدولية ووفق أية حروب، هل نقيس الأمور وفق الحروب العالمية السابقة التي يقول التاريخ انها حربان، أم وفق الحروب الأميركية التي يعدها التاريخ على مدى قرن من الزمان، أم نقول انها حروب وفق الأيديولوجيات والمتغيرات السياسية، لقد رسمت أميركا كل الحروب وفق استراتيجية مؤدلجة، وهكذا بات العالم عوالم ابتدعتها لايسوع فيها ولابريكلس ولاقيصر ولاانجيلو ولاواشنطن، لقد تمردت واشنطن نفسها على نفسها ورسمت مدينة للهراء المجرد فقد عجز عباقرتها عن فعل أي شيء مفيد ولذا كان الأسوأ هو المنهج، وربما لذلك لم تضع أميركا في العراق وما قبله في كل مدينة مرت عليها بأحذية جنودها المشوهين ما بعد الحالة، ليس لديها ما بعد الحالات، كل ما تريده عالم يتسع لجنودها وخرابها ومنطقها الأجوف، ديمقراطية مشوهة وشهوة مستعمر جشع، لقد رسم كل الكتاب الأميركيين وفي كل رواية شكلا واحدا للسياسي الأميركي أنه يشبه التجار الجشعين بأسنان طويلة مدببة تتساقط منها قطرات دم الفقراء وأظافر حديدية تقطر لحما. ولذلك كانت دائما بحاجة لخلق حالة الفقر في كل مكان كي يجد جشعوها دما يسفونه مع اللحوم البشرية، كان لابد من خلق حالات قلقة غير مستقرة تتناسب مع الأرضيات الرخوة التي يخلقها عالم الرأسمالية المزيف الذي انبنى على تراكم التضخم ولم يعرف يوما انفراجا، ومع الراديكالية الأميركية المدمرة وغير الهادفة، راديكالية لاتعرف الحب وليست لديها أهداف قدسية وبعيدة المدى. مالذي يمكن توقعه فيما بعد العراق، البلد الذي فرضت عليه قسرا ديمقراطية مشوهة تشبه سوقا للنخاسة السياسية، ديمقراطية لا تتيح للشعب العراقي اختيار نهجه وحكامه، لا تتيح لهم سوى هز رؤوسهم بالموافقة على البدائل الأميركية التي دخلته على ارتال الدبابات الأميركية الصهيونية، مالذي يمكن أن نفعله ونحن خراف مشوية على مائدة العشاء الأخير؟ لقد كنا دائما خبزا على مائدة اسخريوطي، وكان الغربيون دائما أباطرة، عجولا من ذهب نسخها سامري من قبضة رمل، كنا دائما شعوبا تدفن رؤوسها في خرائب التاريخ، ولن نكون غير ذلك.