55 عاماً على النكبة : نحو تجاوز الرواية الرسمية المراوغة ـ بقلم: ماجد كيالي

الجمعة 15 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 16 مايو 2003 مازالت النكبة موضوعا حيويّا للتفكير السياسي العربي، برغم مرور أكثر من نصف قرن عليها. ولعل التفكير بالنكبة، وإنعاش الذاكرة فيها، في كل عام، «يعوّض» عن التقصير الحاصل في تعيين أسبابها، ويحفّز على التفكير في اكتشاف سبل تجاوزها. وفي الحقيقة لم يعد من المجدي التفكير بالنكبة باعتبارها مجرد فعل اغتصاب لأرض عربية وتشريد لشعبها، فهي أكبر وأشمل من ذلك، فهي حجز للتطور التاريخي للمنطقة العربية، في المجالات السياسية والاقتصادية والمجتمعية. وهذا ما يجعل من النكبة واقعا معاشا، يعيد إنتاج نفسه بأشكال متعددة، ليس بفعل وجود إسرائيل، فقط، وإنما بفعل العوامل الداخلية في الواقع العربي، التي «تتواطأ» مباشرة أو مداورة، عن قصد ومن دونه، مع واقع الوجود الإسرائيلي، فتحيل معوقات التغيير والتجديد، وكل التوترات فيها، إلى هذا الوجود، للتغطية على إخفاقاتها وخيباتها. استمراء «التغطية» ويستنتج من ذلك أن فعل التفكير الذي يسعى لتجاوز النكبة لا بد أن يتأسّس، أولا، على نقد الرواية الرسمية العربية السائدة، التي طالما حجبت من عوامل ووقائع هذا الحدث الكبير، أكثر بكثير مما أظهرت منه، لأغراض متباينة، وذلك بتبريرها النكبة، بتفوّق الصهيونية من الناحية العسكرية، وبدور العامل الخارجي (الغرب)، في تدعيمها وتطويرها. واللافت أن النظام السياسي العربي استمرأ هذه الرواية، ولذلك تذرّع، فيما بعد، بحالة الصراع مع إسرائيل، لتبرير العجز عن النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإسكات المطالب المتعلقة بالديمقراطية والمشاركة الشعبية. وأيضا للتغطية عن عجزه أو قعوده عن الإعداد لمواجهة التحدي الذي تمثله له إسرائيل، سواء في المجال العسكري أو في المجال المدني: السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي. على أية حال فثمة مصلحة للنظام العربي في ترويج مثل هذه الرواية، كونها تحجب العوامل الذاتية أو الداخلية، التي أدت إلى حصول النكبة واستفحالها واستمرارها، والتي تكشف عورات النظام العربي وتقوّض ادعاءاته، التي يبرّر فيها هيمنته على المجال المجتمعي ويغطي فيها إخفاقاته في مجالات التنمية والديمقراطية والتحديث. فمثلا، درجت الرواية الرسمية العربية لحرب 1948 على إشاعة أسطورة «الجيوش» العربية التي زحفت إلى فلسطين، ولكن أية جيوش تلك والدول العربية خارجة للتو من ظل أنظمة الانتداب؟! وتبيّن المعطيات أن عدد جيش الإنقاذ (قبيل النكبة) لم يتجاوز 5000 جندي، مقابل 16 ألف جندي صهيوني. أما أثناء الحرب فبلغ عدد الجيوش العربية: لبنان 700، سورية 2000، العراق 2500، الأردن 4500، مصر 2800 ثم 9292 وفي المرحلة الأخيرة 28500، السعودية 1100، السودان 1675، وذلك مقابل 74450 جندي في الوحدات الإسرائيلية في أغسطس، ثم 99122 في أكتوبر 1948، (من أصل 650 ألف يهودي في فلسطين آنذاك). وبلغت تبرعات الجالية اليهودية في أمريكا وحدها، لموازنة الحرب، بين يناير ومارس 1948، حوالي 50 مليون دولار، أي ضعف ميزانية جيش مصر آنذاك. وبالطبع كان ثمة فارق كبير، أيضا، بين الطرفين في التسلّح، كمّا ونوعا (فضيحة الأسلحة الفاسدة). ولكن الفارق الأساس كان في القيادة. إذ افتقدت الجيوش العربية للقيادة السياسية الموحدة كما لاستراتيجية عسكرية مشتركة. في حين أن تعبئة المجتمع اليهودي كانت في أقصاها، إضافة إلى تمتعه بإدارة وبإرادة سياسية واحدة. أما بالنسبة لمساعدة شعب فلسطين لتمكينه من الدفاع عن نفسه فكانت هزيلة رغم الشعارات الرنانة. ويذكر هيثم كيلاني في بحثه حول: «حروب فلسطين العربية الإسرائيلية» (الموسوعة الفلسطينية ج5 ص ـ485) أن مجموع ما قدمته اللجنة العسكرية المنبثقة عن الجامعة العربية(مقرها دمشق) للمقاومين الفلسطينيين بلغ 1600 بندقية. ويذكر أن القائد عبد القادر الحسيني جاء إلى دمشق لمناشدة المسئولين في اللجنة العسكرية منحه السلاح لاستعادة القسطل، دون جدوى، إلى حد أن الموقف تأزّم (6 أبريل 1948) حيث صرخ الحسيني في وجه اللجنة قائلا:«أنتم خونة أنتم مجرمون سيسجل التاريخ أنكم أضعتم فلسطين؛ وعاد غاضبا إلى القدس ليستعيد القسطل ويستشهد فيها بعد يومين( 194848). والنتيجة أن هذه «الجيوش» لم تستطع التغلب على «العصابات الصهيونية»، ولا الحفاظ على المناطق التي حدّدت للعرب بموجب قرار التقسيم، إذ تم اغتصاب 77 بالمئة من الأرض الفلسطينية، بالقوة والإرهاب، ومن خلال المجازر. وبحسب المصادر الإسرائيلية فإن سكان 392 قرية فلسطينية أجبروا على الرحيل بسبب الهجوم العسكري المباشر عليهم، من أصل 531 قرية شرد سكانها. عوامل القوة الاسرائيلية واللافت أن الرواية الرسمية حول النكبة، التي وظّفت لتبرئة النظام العربي، عن قعوده وتبلّده إزاء ما كان يحدث في فلسطين، دعمت، أيضا، الرواية الإسرائيلية، التي تحدثت عن أسطورة هزيمة إسرائيل لسبعة جيوش عربية! وسهّلت لها التنصّل من مسئولية الحرب والنكبة وتحميلها للعرب، إضافة إلى أن هذه الرواية أظهرت قيام إسرائيل وكأنه بمثابة فعل تحرري وبطولي، حيث صمد قلة من الصهاينة «الطلائعيين» في مواجهة الجيوش العربية «الجرارة»! أيضا، فإن الرواية الرسمية غطّت على دور النظام العربي، بعد النكبة، في إجهاض التجربة الكيانية الأولى للفلسطينيين. إذ وجدت الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها في صراع مع بعض الحكومات العربية، التي مانعت في قيام كيان فلسطيني مستقل، على الأراضي التي أفلتت من الاغتصاب الصهيوني. حيث ضمت الضفة للأردن وخضع قطاع غزة للإدارة المصرية (حتى احتلال 1967). وبذلك تم وأد التجربة الكيانية الأولى للفلسطينيين، المتمثلة ب«حكومة عموم فلسطين»(1948101). . ولا شك أن الحؤول دون قيام تمثيل سياسي للشعب الفلسطيني أضعف من قدراته، وشكّل نجاحا لإسرائيل، التي ترتكز في تبريراتها على تغييب هذا الشعب لتثبيت شرعيتها. وظل هذا الوضع قائما إلى انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في أواسط الستينيات. كذلك فإن الرواية الرسمية العربية تحجب موضوع هجرة اليهود من البلدان العربية، إلى إسرائيل، وهي الهجرة التي ضاعفت عدد اليهود فيها، وأمدتها بالقوة البشرية اللازمة لمجمل أنشطتها في السنوات الخمس الأولى لقيامها. ومعلوم أنه طوال فترة الانتداب البريطاني استنكف يهود البلدان العربية عن الهجرة إلى فلسطين. ومن حوالي483 ألف يهودي هاجر إلى فلسطين، كان بينهم 8 -10، من البلدان العربية. ولكن بعد قيام إسرائيل هاجر إليها في الأعوام الثلاث الأولى حوالي 687 ألف يهودي، 50 بالمئة منهم من يهود البلدان العربية! وبالنسبة للاجئين الفلسطينيين، فإن الرواية الرسمية تركز على الضيافة الكريمة للاجئين، الذين تشردوا في البلدان العربية. والواقع أنه جرى التعامل مع هؤلاء كغرباء أو كدخلاء، وأصبحوا عبئا ديمغرافيا وأمنيا، خاضعا للتجاذبات السياسية. والشاهد على ذلك بقاء المخيمات على وضعها المزري، برغم مرور عقود على النكبة، لكأن المعاملة التمييزية ضد الفلسطينيين، في معظم العالم العربي، هي التي تثبّت وطنيتهم أو هويتهم! هذا من دون أن نتحدث، في هذه العجالة، عن تفسير اصطدام البعد التحرري الفلسطيني بالنظام الرسمي العربي. على أية حال فإنه في إطار إحياء ذكرى قيام دولة إسرائيل (ذكرى نكبتنا) أشارت وزارة «الدفاع» الإسرائيلية إلى أن عدد القتلى اليهود الذين سقطوا في معارك الصهيونية وإسرائيل، منذ عام 1947 وحتى 27 ابريل المنصرم، بلغ 914,19 شخصا، بينهم 768 إسرائيليا قتلوا خلال 30 شهرا من عمر الانتفاضة. وذكر المكتب المركزي للإحصاء أن عدد اليهود في إسرائيل بلغ 4,5 ملايين شخص، ضمنهم ثلاثة ملايين هاجروا إليها بعد العام 1948. والمعنى أن إسرائيل، التي يبلغ الناتج القومي السنوي لها 100 مليار دولار، والتي تصدر موادا تكنولوجية متطورة بمبلغ ستة مليارات دولار، والتي توظف 5,2 بالمئة من دخلها السنوي للبحث العلمي، هي دولة تستقر وتتطور، برغم العداء العربي لها. ولكن ما يجب أن نعيه هنا أن إسرائيل هذه لا تتطور بالاعتماد على قوتها العسكرية، فقط، ولا بتسلطها على مجتمعها، وإنما تتطور بفضل نظامها السياسي، بالنسبة لمواطنيها اليهود، وبفضل قدرتها على إدارة تنوعها وتناقضاتها الداخلية، وبحكم تغليبها أولوياتها وحاجاتها الوطنية؛ ولعل تلك هي الأمور التي يفتقدها العالم العربي، والتي هو معني بإنجازها للخروج من زمن النكبة، سواء في مرحلة الصراع مع إسرائيل أو في مرحلة التسوية معها. ـ كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات