المواجهة بين الصحافي والجنرال .. أو الحرب الأخرى ـ بقلم: د. طلعت شاهين

الجمعة 15 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 16 مايو 2003 المخاطرة في العمل تلحق الجميع خلال الحروب، حتى من لا صلة ظاهرة لهم بها كالعمل الصحفي، بعد أن أصبح نقل الحدث الذي يقوم به الصحافي جزءاً مهماً في ممارسة هذه المهنة، بل وهي جزء لا يتجزأ من الحرب نفسها، وإلا فإنها ستكون حروبا سرية لا يعلم الجمهور ما يجري بها سوى بالقدر الذي يسمح به الجنرالات، والجنرالات عادة لا يقبلون تكذيب ما يدلون به من معلومات. من هنا نشأت المنافسة بين الصحفي والجنرال في الحرب، بل تمثل هذه المنافسة حربا أخرى على مستوى آخر، ينتصر فيها من يملك الدليل على وقوع الحدث بالطريقة التي يريد توصيلها إلى المتابعين لتلك الحروب، وفي كثير من الأحيان عندما ينتصر الصحفي بالوصول إلى الحقيقة برغم جهود الجنرال في إخفائها، وحينها لا يكون أمام الجنرال سوى التخلص من الصحفي لأنه قد يمثل خطرا على السياسي الذي يتخذ قرار الحرب. فالجنرال ليس سوى «أداة» في يد ذلك السياسي الذي يعجز عن حل المشاكل باللجوء إلى «العنف»، خاصة الصحفي المشاغب، أما من يقبل «التدجين» فإنه يحصل على معلوماته «المعدة» مسبقا في مكتبه الوثير أو فندقه مدفوع الأجر. طرق التخلص من الصحفي المشاغب الذي لا يقبل المعلومات المعلبة، ويخاطر بحياته ليحصل على معلوماته من موقع الحدث كثيرة، منها إبعاده عن موقع الحدث بكل الوسائل بحجة خطورة وجوده في المواقع التي يريد الانتقال إليها، وبذلك يمكن التخلص منه معنويا بقطع الصلة بين الصحفي والحقيقة التي يبحث عنها لينقلها إلى جمهوره من خلال وسيلة الإعلام التي يعمل بها. «شغب» الصحافة وهناك طرق التخلص من الصحفي المشاغب بتصفيته جسديا، عندما تفشل وسائل التخلص المعنوي، يمكن أن تتم التصفية الجسدية من خلال ما يمكن تسميته بالقتل الخطأ، أو تحميل المقتول نفسه ذنب التخلص من حياته من خلال إشارة مقتضبة يمكن أن يوقع عليها الجنرال، يؤكد فيها أن الصحفي كان في المكان الخطأ، ولا يهم في هذه الحالة البحث والتحري لمعرفة المكان الخطأ من المكان الصحيح عندما يتعلق الأمر بالحرب. ربما تكون التصفية الجسدية أسرع وأنجع واقل تكلفة إذا كان الصحافي الباحث عن المتاعب قد اختار مكانه في الصفوف المقابلة في القتال، إي اختار أن يكون في صفوف «العدو»، فهو في هذه الحالة تنطبق عليه صفة الطرف الذي يقف فيه، فيمكن تصفيته بالقصف المباشر، مع تجاهل الإشارة إليه عند حساب الخسائر، أو تقديم اعتذار صغير لمهنة الصحافة تؤكد أن القذيفة التي أصابت الصحفي لم تكن تعرف أنه على الجانب الآخر لتحري الحقيقة، لأن الحقيقة الوحيدة في هذه الحالة هي حقيقة القذيفة. وإذا حدث وكان الصحفي اسما معروفا أو نجما لا معا يمكن أن يكون الاعتذار مصحوبا مع «تمنيات» الجنرال لزملاء الصحافي القتيل وأهله أن يلهمهم الله الصبر والسلوان، وهي تمنيات قد تعني «تحذيرا» مبطنا لزملائه الصحافيين حتى لا يقفوا في المكان «الخطأ». حدث خلال الغزو الأميركي-البريطاني للعراق أن تحول الصحافيون إلى مشاغبين، أو على الأقل عدد كبير من الذين اختاروا جانب «المعتدى عليه» وهو العراق، لأن من اختاروا الجانب الأميركي تمتعوا بكل وسائل الراحة في فنادقهم بالقاعدة العسكرية الأميركية في الدوحة التي كانت تستخدمها واشنطون لإدارة عملية الغزو. وبما أن «الكذب» كان الجبهة الأخرى التي تنافس فيها جنرالات البنتاجون مع «الصحاف» وزير الإعلام العراقي، فقد أصبح الصحفي منذ تلك اللحظة «هدفا» من أهداف تلك الحرب، والتخلص منه يعني التخلص من مصدر إزعاج، تماما كالتخلص من بطارية صواريخ أرض-جو تعكر صفو الطائرات المغيرة ولا تسمح للطيارين بإصابة أهدافهم بدقة. اخطاء الجنرالات وإذا كان وزير الإعلام العراقي في حاجة إلى الصحافي ليساعده في عمله فقد كانت حاجة الطرف الأميركي-البريطاني للصحافي معدومة، إن لم تكن غير مرغوب فيها، ومع كشف الكثير من أكاذيب الجنرالات الاميركيين، خلال الأيام الأولى للحرب عن احتلال بعض مدن الجنوب العراقي، كشف دخول الصحافيين إليها كذب سقوطها اتخذ الجنرالات قرارا بالتخلص من هؤلاء المشاغبين الذين فضلوا الحر والجوع والعطش ليحصلوا على الحقيقة، بينما غيرهم تصله «حقائق» الجنرالات حتى مخادعهم. وعندما اشتدت الحرب أصبح قرار التخلص من الصحافيين غير الراغبين في قبول حقائق الجنرالات قرارا واجب التنفيذ، بل وتنم تنفيذه بطريقة لا تترك مجالا للشك في أنه قرار اتخذته القيادة العليا في البنتاجون، وإلا كيف يمكن تفسير تعرض ثلاثة مبان منفصلة بها صحافيون للقصف الأميركي في وقت واحد: تم قصف مقر تليفزيون أبو ظبي، ومقر تليفزيون الجزيرة، ثم فندق فلسطين الذي كان معروفا أنه مقر إقامة معظم الصحافيين الأجانب الذين كانوا يتابعون الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق؟! ربما كانت الاحتجاجات الصادرة عن وسائل الإعلام الغربية بسبب سقوط ضحايا لهذا القصف من بين العاملين بوسائل إعلام غربية أقوى من احتجاج وسائل الإعلام العربية التي قدمت ضحاياها أيضا للحصول على حقيقة ما يجري على أرض العراق باستشهاد الزميل طارق أيوب وهو يؤدي عمله، وجرح عدد آخر. وردا على الاحتجاجات الغربية، أما العربية فقد تم تجاهلها، أعلنت القيادة القوات الأميركية المحتلة أن القذائف التي أصابت فندق فلسطين وقتلت عددا من الصحافيين من بينهم مصور القناة الخامسة الإسبانية «خوسيه كوسو» وزميله «خوليو انجيتا» مراسل صحيفة «الموندو» الإسبانية، أيضا كان عن طريق الخطأ. هذه المرة أيضا كان القتل خطأ، ومن يستطيع أن يثبت عكس ذلك فعليه أن يقدم الدليل، ومن يملك الدليل على ارض المعركة سوى «الجنرال» الذي يسيطر على أرض المعركة جوا وأرضا؟! لكن الجنرال الأميركي أخطأ في تنفيذ قرار التخلص من الصحافيين المشاغبين الذين أقاموا في فندق فلسطين، فقد ارتكب خطأ شنيعا بتخلصه من اثنين من الصحافيين الأسبان، لأن تلك الجريمة التي ارتكبها قائد إحدى الدبابات الذي يكن كراهية خاصة للإعلام أصابت قذيفته أحد حلفاء الغزو، وهو رئيس الوزراء الإسباني «خوسيه ماريا ازنار» الذي أعلن دعمه لجنرالات البيت الأبيض برغم رفض الشعب الإسباني لهذه الحرب، سواء بقرار من مجلس الأمن أو من غيره، فقد تحول موت الصحافيين الإسبانيين إلى مسمار في النعش السياسي لأزنار، وينذر بعواقب وخيمة داخل إسبانيا. ويمكن لمن شهد الاحتفال الكبير الذي أقيم بالعاصمة الإسبانية مدريد الأسبوع الماضي بمناسبة توزيع جوائز الصحافة التي تحمل اسم الفيلسوف والصحافي الإسباني «اورتيجا أي جاسيت» في دورتها العشرين، أن يكتشف إلى أي مدى يمكن أن تصل نتائج قرار جنرالات البنتاجون بتصفية الصحافيين جسديا، من خلال هذا الحفل كان واضحا غضب الصحافيين بمختلف اتجاهاتهم، وربما لأول مرة يغيب مندوب الحكومة الرسمي عن توزيع هذه الجوائز والتي ترعاها صحيفة «الباييس» الواسعة الانتشار، والتي تعتبر صحيفة معارضة للحكومة الحالية برغم عدم انتمائها أيديولوجيا الحزب الاشتراكي. إراقة دم الحقيقة إمعانا في امتهان الحكومة الإسبانية لموقفها المؤيد للغزو الاميركي -البريطاني للعراق، تم تكريم المصور التليفزيوني «خوسيه كوسو» الذي صرعته القذيفة التي أطلقتها دبابة أميركية عمدا على فندق فلسطين الذي كان يقيم فيه المراسلون الأجانب خلال عملية الاحتلال الأميركي للعراق، وللصحافي «خوليو انجيتا بارادو مراسل صحيفة «الموندو» الذي فقد حياته بعد إصابته خلال هجوم صاروخي أميركي على بغداد. وتقرر تقديم قيمتها المالية التي تبلغ 15 ألف يورو لأرملة خوسيه كوسو، وإهداء التمثال التذكاري الذي أبدعه النحات الشهير «إدوارد تشييدا» لعائلة خوليو بارادو كرد مباشر على «الاعتذار الأميركي» عن القتل «العمد»، وأصدر الصحافيون الإسبان بهذه المناسبة بيانا نددوا فيه بالممارسات الأميركية ضد المراسلين الأجانب الذين خاطروا بحياتهم لكشف الحقائق التي حاولت القيادة العسكرية الأميركية إخفاءها خلال عملية احتلال العراق، ودعمهم الزملاء من المراسلين الأجانب العاملين في إسبانيا في موقفهم من جنرالات البنتاجون. بل وامتد الاحتجاج ضد «جنرالات الحرب» إلى الجوائز المخصصة للصحافيين العاملين في الإعلام الأميركي اللاتيني، فقد ذهبت جائزة أفضل «مقال رأي» صحفي إلى الكاتب الكولومبي «روبيرتو بومبو» المنشور في مجلة «كامبيو» التي أسسها ويرأس إدارة تحريرها الكاتب العالمي المعروف «جابرييل جارثيا ماركيز» الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1982. كان المقال بعنوان «العودة إلى البيت على قيد الحياة» تناول فيه الكاتب المعاناة اليومية التي يواجهها الإنسان الكولومبي ليخرج من بيته لممارسة عمله تحت أخطار الحرب الأهلية التي تعيشها كولومبيا منذ أكثر من أربعين عاما، والتي تعتبر العودة فيها إلى البيت على قيد الحياة بطولة حقيقية، وهي حرب يرفض الجنرالات أي جهود لإنهائها، إلا بقبول الطرف الآخر الاستسلام الكامل بلا شروط، وهو ما يعني استمرار هذه الحرب إلى ما لا نهاية. إذا كان الجنرالات يشربون الآن نخب انتصارهم في بغداد، فإن الصحافة قررت في مدريد أن تعلن «زيف» هذا الانتصار. ولن تسكت الأصوات التي حاول الجنرالات إسكاتها بتدمير مقار وسائل الإعلام غير المرغوب فيها، وكل دم يسيل في سبيل الحقيقة سيكون «وصمة» عار على صدور هؤلاء، لأن التاريخ لا يرحم. ـ كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات