الخميس 14 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 15 مايو 2003 ربما يكون افضل ما يقال للرئيس بوش كرد على مشروعه المقترح لاقامة منطقة تجارية حرة بين الولايات المتحدة والشرق الاوسط هو: «هات من الآخر»! فقيام المشروع يرتهن الى شرط اساسي لا يرد ذكر له الا في النهاية.. فقبول مشاركة اي دولة عربية في المنطقة الحرة رهين باعتراف مسبق منها بشرعية الدولة الاسرائيلية وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها بالكامل. ولو احال الرئيس الاميركي قادة الدول العربية الى مشروع الشرق اوسطية العتيق الذي وضعه الزعيم الاسرائيلي المخضرم شمعون بيريز قبل نحو عشر سنوات، لما احتاج الى اعلان مشروع «منطقة حرة» بين الولايات المتحدة والعالم العربي تكون واسطة عقده اسرائيل. فالمشروعان الاسرائيلي القديم والاميركي الجديد يكادان يكونان متطابقين.. على الاقل في الهدف الاستراتيجي النهائي. واذا كان ثمة جديد فعلاً في مشروع بوش، فهو انه يظهر في ظرف سياسي يختلف عما كان عليه الحال في العالم العربي خلال النصف الاول من تسعينيات القرن الماضي، فالمشروع وليد اول حالة احتلالية اميركية في اراضي الامة العربية. ومن هذا المنظور يعكس المشروع الوجه الاقتصادي للمخطط الاميركي غير المعلن من وراء غزو العراق الشقيق. فالهدف الاستراتيجي الاعظم والنهائي لهذا المخطط هو اتخاذ العراق كنقطة انطلاق سياسية لادماج اسرائيل في المحيط العربي، ليس فقط كعضو في «الاسرة» وانما ايضاً لاتخاذ موقع القيادة والسيطرة الشاملة. على الصعيد السياسي بات الان واضحاً، استقراء من عدة مؤشرات متناثرة هنا وهناك، ان على رأس الاجندة الموضوعة مسبقاً في واشنطن للحكومة العراقية الانتقالية المرتقبة، الاعتراف رسمياً باسرائيل والدخول معها في حالة تطبيع كامل في كافة المجالات. وهذه سوف تكون الحلقة الاولى لمسلسل في حلقات متشابهة للدول العربية الاخرى تباعاً، الى ان تكتمل حالة من التطبيع العربي الشامل مع الدولة اليهودية. ولكن بالطبع لن يكون التطبيع شاملاً وكاملاً وراسخاً في غياب ترتيبات اقتصادية. كما ان التطبيع لن يخدم الهدف المقرر سلفاً بأن تكون اسرائيل القاطرة التي تجر وراءها كل الاقتصادات العربية. وهذا هو بالضبط ما يرمي اليه جورج بوش من وراء مشروعه المقترح باقامة منطقة حرة. كيف تعمل المنطقة الحرة المقترحة على الصعيد التطبيقي؟ رأس المال يكون بالضرورة اسرائيلياً. يقوم رجل اعمال اسرائيلي بتمويل مشروع صناعي ما ـ لنقل مصنع ملبوسات مثلاً ـ في دولة عربية ما. تمنح الحكومة العربية لصاحب التمويل الاسرائيلي امتيازات استثمارية استثنائية (كاعفاء من الضرائب). ومع توفر عمالة عربية رخيصة تكون كلفة الانتاج قليلة نسبياً. وعندما تصدر المنتجات فإنه يسمح لها بدخول السوق الاميركية الكبيرة دون رسوم جمركية (او برسوم ضئيلة) لكي تتمتع بقدرة تنافسية. ومن ناحية اخرى تفتح ابواب الاسواق العربية امام هذا المنتج على مصراعيها، وفي الوقت نفسه يسمح للمستثمر الاسرائيلي بتحويل ارباحه بالكامل الى البنوك الاسرائيلية او اي بنوك خارجية اخرى. وربما يبدو هذا الترتيب في ظاهره ليس عظيم الضرر على الاقتصادات العربية، لكن هذا هو المدخل لما هو ادهى وامر. فالخطوة التالية سوف تكون تملك اصحاب رؤوس الاموال الاسرائيلية للمؤسسات الاقتصادية والتجارية المفتاحية التي تشكل ركائز القطاع العام في كل دولة عربية. سوف تؤدي ضغوط اميركية متصلة على كل حكومة عربية عن طريق «صندوق النقد الدولي» الى حمل هذه الحكومات على رفع يدها عن المؤسسات الانتاجية والخدمية الرئيسية باسم «الخصخصة» لتنقل ملكية هذه المؤسسات الى ايدي رجال اعمال اسرائيليين بالكامل. هذا هو الوضع الذي من المقرر له ان يكتمل خلال مرحلة عشر سنوات هي عمر «المنطقة الحرة» التي حددها جورج بوش. وهكذا يمهد التطبيع السياسي لاستعمار اقتصادي يهودي.