الخميس 14 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 15 مايو 2003 هكذا دخل مصطلح «التلاسن» الى قواميس السياسة والدبلوماسية في الفترة القريبة الماضية، يستوي في ذلك قاموس السياسة العربية على نحو ما تابعناه في اجتماعات القمة، عربية كانت أو ـ للأسف ـ اسلامية. ويستوي أيضا قاموس السياسة الغربية ولاسيما حين تابع العالم لغة الخطاب المرهفة شعرا التي حملت انتقادات لفظاظة أميركا محدثة النعمة سياسيا واقتصاديا وكان ذلك على لسان دوفلبان وزير خارجية فرنسا، فيما اكتملت دورة التلاسن حين فوجئ العالم بعبارات رامسفيلد وزير الحرب الأميركي عن «أوروبا ـ القديمة» حيث القدم هنا لا يعني العتاقة ولا العراقة بقدر ما يعني الهرم والشيخوخة وربما النكوص الى حد خور العزيمة والتخلف عن المسيرة. هذه اللغة في الخطاب السياسي المتبادل بين أوروبا وأميركا انتقلت ـ كما لعلك تذكر ـ الى شوارع المدن والبلدات الأميركية، مطاعمها الشعبية الرخيصة على وجه الخصوص حيث عمد مقدمو الوجبات السريعة الى شطب اسم «الفرنش فرايز» وهي طبعا رقائق البطاطس المحمرة على الطريقة الفرنسية ليحلوا محله اسما يثير الاستفزاز في ضوء ما أصاب العراق وهو «بطاطا. الحرية».. فريدوم فرايز!! هذا الاهتمام بفرنسا وربما فات على أصحاب المطاعم ـ وهم في الغالب ناس بسطاء على باب الله ـ أن يعرفوا كيف تهتم معاجمهم مثلا بالشأن الفرنسي وبكل ما يتعلق بفرنسا وثقافتها وأساليب حياتها ورقي أذواقها، من حيث مذاق الطعام وموضات الأزياء وأناقة الأداء اللغوي وثراء الابداع الفني والأدبي. (يحوي قاموس وبستر الأميركي الشهير 26 مدخلا يتعلق بهذا الشأن الفرنسي). ومع ذلك يلاحظ المحللون السياسيون كيف أن جبلا من الجليد أو حاجزا من زجاج بات يرتفع من سوء الفهم والخلاف وتبادل بل وتراشق الاتهامات على ضفتي الأطلسي بين أميركا وبين حلفائها الأوروبيين وخاصة الفرنسيين. ويكفي أن نقول أن الفترة القريبة الماضية شهدت في فرنسا صدور 9 كتب سياسية انطلقت في مجموعها من منطق العداء لأميركا والنقد ـ المرير أحيانا ـ للسياسات التي تتبعها، ومنها ما وصل الى حد الهجاء السياسي مثل كتاب بعنوان «الكتاب الأسود للولايات المتحدة» من تأليف «بيتر سكوين». أو مثل كتاب من تأليف زياد الدين سردار وميريل ديفيز بعنوان «لماذا يمقت العالم أميركا».. أو كتاب صادر في باريس عن دار جاليمار الشهيرة بعنوان «ما بعد الامبراطورية» من تأليف «إيمانويل تود».. وقد بلغ من أهمية وتأثير مثل هذه الكتابات الحد الذي دفع مجلة رصينة مثل نيويورك ريفيو أوف بوكس أن تخصص صفحات عدة من عددها الصادر في أول مايو الحالي لعرض وتحليل هذه الكتابات في مقال ضاف بقلم توني جوديت تحت عنوان: «أعداء أميركا خارج الحدود». تحالفات.. وخلافات والمقصود بخارج الحدود هو الضفة الشرقية من المحيط الأطلسي، حيث أوروبا الغربية وهي الحليف الرئيسي والتاريخي للولايات المتحدة. وربما كان هذا الحلف قويا، وطيدا ومتيدا أيام وجود عدوهما المشترك سواء كان هذا العدو هو امبراطوريات المانيا القيصرية وتركيا العثمانية والهابسبورغ (النمسا والمجر) في الحرب العالمية الأولى رغم محدودية الدور الأميركي في تلك المرحلة (1914 - 1918)، أو سواء كان العدو هو دول المحور الثلاث خلال الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) وهي المانيا النازية وايطاليا الفاشية ثم اليابان ـ الامبراطورية.. وهنا كان الدور الأميركي على أيام فرانكلين وديلانو روزفلت قد اتسع مداه وتعددت أبعاده.. أو سواء كان العدو هو المد الشيوعي بشعاراته الماركسية أو هو المعسكر الاشتراكي كما كان يعرفه أصدقاؤه وخاصة في العالم الثالث، أو دول الستار الحديدي على حد التعبير الذي سبق الى صياغته واعلانه ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا خلال سنوات الحرب. وقد أحسن الأستاذ توني جوديت، وهو أكاديمي بارز ومتخصص في الشئون الفرنسية بجامعة نيويورك، بلورة الصورة المناهضة لأميركا بين صفوف الفرنسيين.. قال جوديت بالتالي: ـ مثل أميركا في الذهن والوجدان الفرنسي كمثل سيارة الدفع الرباعي (إس. يو. في) يراها الفرنسيون (وربما جمهرة الأوروبيين) كائنا متضخم الحجم والوزن.. وهي أيضا (أميركا والسيارة) ترفض بل تحتقر أي مفاوضات أو مفاتحات ترمي الى تحجيم مقدار ما تخلفه في البيئة والهواء من عوامل وعناصر التلوث وهي (السيارة وأميركا) تستهلك كميات بغير حدود من الموارد الطبيعية الشحيحة أصلا دون وازع من اقتصاد أو ترشيد، وهي تعرض عباد الله من المارة والسابلة (بالنسبة للسيارة) أو من جماهير الأفراد والأمم والشعوب (بالنسبة لأميركا) لمخاطر مهلكة من أجل أن تكفل ضمانات الأمن والسلامة والطمأنينة لركابها المكدسين في قلبها (السيارة) أو لسكانها الذين يزحمون ساحنها (أميركا) ومع ذلك فهو في التحليل الأخير أمن موهوم.. لماذا؟ لأن العالم بات هو نفسه مكانا شديد الأزدحام متعدد المسالك ولا يكاد أحد فيه يتبع تعليمات المرور.. وفي شارع العالم الشديد الازدحام.. تبدو السيارة الأميركية الضخمة ـ إس. يو. في ـ كائنا خرافيا شديد الخطورة.. كأنما ينتمي الى عالم الديناصورات السحيق. وفي هذا يخلص الكاتب «توني جوديت» الى القول: ـ إن هذا النوع من السيارات ـ شأنها شأن السياسة الخارجية الأميركية، يمضي في مسيرته محملا ببضائع متناقضة ـ مجسدة في البيانات المتناقضة الصادرة بكثرة عن ادارات السياسة الخارجية للولايات المتحدة ولكنها في واقع الأمر لا تعدو كونها شاحنات متضخمة الحجم تنطلق بقوة طاغية وجبروت بغير ضرورة أو لزوم. مشاعر البغض والشكوك وبعيدا عن هذا التشبيه أو هذه الاستعارة التصويرية الممتدة، فإن مياه الأطلسي الفاصلة بين غرب أوروبا وأميركا ظلت على امتداد عقود بل وقرون تجتاحها أمواج من التشكيك والتوجس وربما من المقت المتبادل أو هو البغض المستتر أحيانا والسافر في بعض الأحيان. واذا كان رامسفيلد قد عمد في عام 2003 الى «معايرة» أوروبا بأنها قارة شاخت في موقعها وأصبحت عضوا طاعنا في خريف العمر ضمن عائلة الغرب، فقد سبق الى نفس المعايرة سياسي داهية هو «تاليران» الوزير الفرنسي المخضرم الذي عايش حقبتي الثورة الفرنسية، ثم امبراطورية نابوليون وهو الذي لخص الحياة والأعراف الأميركية في الولايات المتحدة حين قال: ـ أنها تحوي 32 عقيدة دينية و.. طبق واحد من الطعام يتناوله أهلوها بغير تبديل وبسرعة خاطفة! ومن تاليران وزمانه في أوائل القرن التاسع عشر الى الثلاثينيات من القرن العشرين وكانت أميركا قد قطعت أشواطا خلال تلك الحقبة (حوالي 125 سنة) في مضمار الاكتشافات والاختراعات وتطوير أساليب الانتاج.. ولكن جاء هذا كله ـ في نظر أقربائها الأوروبيين ـ على حساب تفرد الانسان وشخصية البني آدم ورقي أساليب الحياة وارتفاع مستويات الابداع. جاءت أميركا ـ كما يضيف الأكاديمي «جوديت»ـ بأسلوب الانتاج الجماعي بالجملة (وهو الأسلوب الذي توصل اليه مع بدايات القرن العشرين رجل الصناعة الأميركي الأشهر هنري فورد حين وضع أول سيارة على خط التجميع فأحدث بذلك ثورة في الانتاج الصناعي).. لكن هذه الجماعية ـ هذا النمط من العمل بالجملة.. انتاج بالجملة.. حركة اجتماعية بالجملة.. سياسة بالجملة، بغير تدقيق أو تمحيص أو مراعاة للسمات التاريخية المميزة للأمم والشعوب.. كل هذه الجماعية كانت مرادفة في نظر أطراف أوروبية شتى للجلافة والفظاظة وعدم النضوج. هجوم سارتر على المكارثية ورغم دور أميركا الايجابي خلال الحرب العالمية الثانية.. فأن نزعات التربص والتوجس على جانبي الأطلسي لم تنته وربما زادت تأججا وخاصة مع مطالع عقد الخمسينيات من القرن العشرين. من ناحيتهم كان الأميركان، وهم لا يزالون يعايرون الفرنسيين بأن جيوش هتلر النازية دخلت عاصمتهم باريس واحتلتها واخترقت خطط دفاعاتها «كما يخترق السكين قالب الزبد» ولم يتح تحرير «مدينة النور» سوى على يد جنود الحلفاء وفي صدارتهم جنود الولايات المتحدة. من ناحيتهم كظم الفرنسيون غيظهم وابتلعوا الاهانة الى أن انتشرت، بل استشرت نزعة «المكارثية» في الحياة الأميركية. تلك النزعة التي دفعت السناتور (الجمهوري حتى لا ننسى) جوزيف مكارثي (1909ـ 1957) الى أن يشن حربا لا هوادة فيها.. ترفع شعارات الارهاب العقائدي وتستخدم الاتهامات الجاهزة الخبيثة ضد صفوة مفكري أميركا ومبدعيها في مجالات السينما والأدب والفلسفة والأكاديميا، وكلها تتعلق باتهامهم بالماركسية والشيوعية ومن ثم بممارسة نشاط «لا أميركي» بمعنى نشاط غير وطني ومعاد لمصالح الأمة والشعب والناس. لم يشأ الفرنسيون إذن أن يفوتوا هذه الفرصة.. بل ها هي الكاتبة سيمون دي بوفوار ترفع عقيرتها مع سنوات الخمسينيات قائلة: ـ انظروا الى أميركا.. إنها تتجه نحو الفاشية. وها هو الفيلسوف الشهير وقتها جان بول سارتر يقول في نفس الفترة ونفس السياق: ـ إن أميركا المكارثية وصلت الى حافة الجنون. بل إن هذه الحملة المعادية للولايات المتحدة وصلت الى حافة الغرابة أو الطرافة حتى أن يندد الروائي الفرنسي «روجيه فاياند» بمنتوجات أميركا في مجال الصناعة والأدوات الكهربية، وبالذات منتوجات شركة جنرال الكتريك الشهيرة التي كانت تقدم الى العالم بوصفها آية بليغة على ثقافة أميركا وعلو كعبها عند منتصف القرن.. قال الروائي الفرنسي منددا بانتاج.. الفريجيدير «الفردج» كما يسمونه اختصارا وهو.. الثلاجة الكهربائية. ـ هذا «الفردج» ما هو إلا مؤامرة على الثقافة المحلية الفرنسية (بمعنى مؤامرة ـ أميركاني طبعا ـ على أطباق الطعام الطازجة غير المستقاة من بطون الثلاجات). ولأن مشروب الكولا كان بدوره علما على نفوذ واستشراء الثقافة ـ أو فلنقل انتشار أسلوب الحياة الأميركية، فقد كان له بدوره نصيبه، كما يوضح الأستاذ توني جوديت في دراسته ـ من نقد بل وهجوم الفرنسيين. الكولا والحرب العالمية ربما شعروا أن هذا المشروب الوافد من غربي الأطلسي جاء منافسا لما اشتهر به أهل فرنسا وخاصة «نبيد بوردو» الذي طالما تغنى به الشعراء، وربما أصابهم الحنق أو التحاسد لأن مشروب الكولا أصبح ـ كما أكدت الاستطلاعات والدراسات الأكاديمية المختصة ـ أشهر سلعة في العالم وربما في التاريخ.. حتى أن شعاراته دخلت الى الحواضر والأرياف واخترقت الغابات والأدغال، وتساوى المقبلون عليه ما بين سكان الأكواخ في قرى المكسيك والهند وساكني فيللات الرفييرا في جنوبي فرنسا وغربي إيطاليا وأصحاب اليخوت الفارهة التي تجوب مختالة بمن تحمله من مليونيرات وملكات جمال وساسة متنفذين في أرجاء البحر المحيط. إزاء هذا كله لم يسع الفرنسيون سوى أن يهاجموا هذا الرمز المستجد على حياة العالم للثقافة الأميركية التي رأوها مهجنة ومحدثة نعمة، ومن ثم خطرا على عراقة وأصالة الثقافة الأوروبية بكل جذورها التي تمتد الى عصر النهضة، الرينيسانس.. ومنها الى حضارات اليونان والرومان الأقدمين.. هنالك استعادت صحيفة «لوموند» الفرنسية الرصينة ذكريات دانزج (هي الآن جدانسك)، الميناء البولندي الذي كان الصراع عليه أولى شرارات اندلاع الحرب العالمية الثانية، ومن ثم نشرت «لوموند» مقالا قالت فيه: ـ إن مشروب الكولا هو «دانزج» الثقافة الأوروبية (بمعنى أنه شرارة الخطر التي تهدد بحريق أو انهيار لثقافة أوروبا). .. وألمانيا أيضا وفي كل حال فلم تقتصر هذه النزعة المعادية لأميركا على فرنسا وشعبها رغم أن العداء الفرنسي كان الأكثر وضوحا وبروزا وبلغ ـ كما ألمحنا ـ درجة المعايرة السياسية: ـ فرنسا تقول لأميركا: لقد ساعدناكم في حرب الاستقلال (1776) وجاءكم من عندنا الكونت «لافاييت» مشاركا في ثورتكم ضد الانجليز. ـ أميركا ترد الصاع صاعين وربما ثلاثة حين تقول: لقد ساعدناكم على التحرر من قبضة المحتل.. مرة خلال الحرب العظمى الأولى ومرة حين دخلت جيوشنا الظافرة ـ حتى لا تنسوا ـ شوارع عاصمتكم باريس وكانت تحت احتلال هتلر لمدة 4 سنوات. استشرى العداء الغرب ـ أوروبي ليشمل المانيا التي لا ينسى العامة فيها كيف احتلتها أميركا بعد عام 1945 وحاكمت قياداتها في نورمبرغ وكسرت شوكة الكبرياء العسكري الألماني الموروث من أيام دولة بروسيا.. ولا تنسى النخبة ـ الانتلجنسيا الألمانية. أيضا كيف قامت أولى نظريات الإعلام والاتصال في الدوائر الأكاديمية بالولايات المتحدة على أساس مخطط يستهدف تشويه الطابع القومي للأمة الألمانية (والأمة اليابانية) بعد هزيمتهما في الحرب الثانية.. ومن ثم تحميل الشعب الألماني عقدة ذنب لأنه رفع هتلر النازي الى رتبة «الفوهرر»ـ القائد والزعيم. وبالمناسبة أو بالمصادفة كان أبرز القائمين على هذا المخطط الاعلامي في أميركا من اليهود.. ولم تكن مناسبة طيبة ولا كانت مصادفة سعيدة بحال من الأحوال. ثم بقي السؤال بسيطا وجوهريا: ـ كان هذا العداء ضد أميركا من جانب أبرز القوى في غرب أوروبا.. ماذا عن الجانب الآخر.. عداء أميركا ضد أوروبا.. القديمة العجوز كما وصفها رامسفيلد؟. الى الجزء المتمم لهذا الحديث إن شاء الله. ـ كاتب سياسي من مصر