الاربعاء 13 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 14 مايو 2003 لا تقل اهتمامات الولايات المتحدة بتكريس النتائج المادية والسياسية للزلزال الذي انزلته بالعراق، وتجييره لمصالحها الذاتية وحدها من دون غيرها، عن اهتماماتها الاخرى باحصاء آثار الاهتزازات الارتدادية لهذا الزلزال في الجوار والسعي للافادة منها الى اقصى حد، في اطار الخطة الاستراتيجة الاميركية من الحدث العراقي : وضع الحجر الاساس الذي ستبني عليه واشنطن امبراطوريتها الكونية - روما القرن الحادي والعشرين . في اللحظة التي كانت تسقط فيها بغداد بأيدي قوات الغزو، بل وحتى قبلها، كانت الادارة الاميركية بلسان قادتها كلهم تقريبا « الرئيس جورج دبليو بوش ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووزير الخارجية كولن باول ومستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس » ترفع صوتها داعية الجميع الى وعي «الدرس» بالسرعة اللازمة وقراءة «الرسالة» جيدا .. والا فسيكون لكل حادث حديث !!. ومن فلسطين الى سوريا الى لبنان الى ايران، وعبرها الى كل عربي ومسلم في اية دولة عربية او اسلامية ولو لم يتم تحديده او تحديدها بالاسم، فـ «الدرس .. والرسالة» من الولايات المتحدة هما ان القوات المسلحة الاميركية جاهزة لتكرار ما فعلته في العراق في اي مكان آخر، وان القرار السياسي بشن الحرب لفرض ارادة الدولة العظمى متخذ عمليا بموافقة من الشرعية الدولية او من دون موافقتها . اكثر من ذلك، ف «الدرس .. والرسالة» هما ان اسرائيل هي « الحليف الاستراتيجي» للولايات المتحدة وهي في صلب القرار الآنف الذكر، وان لا جدوى من النقاش حول من هو «المقاوم» ومن هو «الارهابي» بعد ان حسم الاكاديميون من فريق « المحافظون الجدد» هذا النقاش من زمن بعيد، وان «الديمقراطية» التي تعرفها وتحدد اصولها وتطبيقاتها اميركا - وليس الا اميركا - هي التي يجب ان تسود « ربما يأتي الدور لاحقا على الديموقراطيات الاشتراكية في البلدان الاسكندينافية لأن للدولة فيها دورا رعائيا يحد من حرية اقدتصاد السوق » ، واخيرا ان على من لم يسمع بعد ان يعيد النظر في موقفه حتى من اذنيه .. والا !! . تكريس الهيمنة ما سبق كان كنه الجولتين اللتين قام بهما في المنطقة في النصف الاول من شهر مايو الجاري الوزير باول، اولا في دمشق وبيروت، ثم في مصر والسعودية والاردن وفلسطين واسرائيل، حاملا معه « خريطة الطريق » الاميركية الهادفة الى معالجة الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، وتاليا الصراع العربي - الاسرائيلي، مع ما تحتمه من تدابير هي في حقيقتها فرمانات همايونية او اوامر . فرمانات موجهة في المقام الاول « والوحيد، اقله حتى الآن » الى الجانب العربي . عنوانها السعي لحل الازمات التاريخية في العالم العربي، وفي مقدمتها ازمة الصراع مع اسرائيل مع ما يفترضه ذلك من شيوع الحريات والديمقراطيات والتنمية الاقتصادية - الاجتماعية، لكن مضمونها يبتعد عن ذلك كثيرا : انه تكريس هيمنة «روما القرن الحادي والعشرين» على المنطقة بما فيها اساسا من ثروات تتصل بشريان الصناعة والتقدم الاقتصادي والتكنولوجي في العالم - النفط - على الطريق لتكريس الهيمنة الاوسع على الكرة الارضية كلها . ماذا طلب باول من سوريا ولبنان، ثم من الفلسطينيين، ومن بعدهم من العرب اجمعين ؟!. سؤاله الافتراضي، كما تقول مجلة «الويكلي ستاندارد» الاميركية التي يسيطر عليها فريق «المحافظين الجدد»، كان في صيغة ما اذا كانت « الصدمة والرعب » - الشعار الذي رفع للحرب على العراق - قد حققت غايتها بالشكل المطلوب ليس في العراق وحده وانما على امتداد العالم العربي ايضا . اذا كانت قد تحققت، فلا حاجة اذا لأي نوع من «الحوار» الذي تحدث عنه وزير خارجية سوريا فاروق الشرع، لا بين واشنطن ودمشق، ولا بين واشنطن وبيروت، ولا بين واشنطن ورام الله، ولا بينها وبين اية عاصمة عربية اخرى . اما اذا لم تكن قد تحققت، او اقله لم تتحقق بالقدر المطلوب، فلدى الولايات المتحدة من الباع الطويل ومن القدرات والادوات والاساليب ما يفي بالغرض . في سياق الاجراءات المطلوبة تندرج العناوين كلها، بما فيها اساسا العناوين الاسرائيلية حول التنظيمات الفلسطينية التي لها مكاتب اعلامية او سياسية في دمشق، والتي ينبغي اقفالها ولا بأس ان تعلق على ابوابها عبارة «تنظيمات ارهابية» ، وحول «حزب الله» اللبناني الذي يجب ان يجرد من سلاحه بعد ان يعلن توبته عن «الارهاب» الذي مارسه ضد قوات « الدولة المسالمة» عندما كانت تقوم بسياحة على مدى خمسة وعشرين عاما في جنوب لبنان، وحول التبرعات الشعبية لضحايا العدوان الاسرائيلي من الشعب الفلسطيني، والتظاهرات المؤيدة لنضاله، والتي يقتضي وقفها لانها ليست سوى عمليات «تمويل للارهاب» و « تحريض عليه » الخ .. وفي سياقها ايضا ان على الدولتين ان تطردا اية قيادة « او عائلة قيادي » عراقية عبرت الحدود الى سوريا او الى لبنان هربا من القذائف الاميركية او ان تسلماها لواشنطن، وان تقدما تأييدهما لأي «حامد قرضاي» عراقي يجري تنصيبه حاكما لبغداد في ظل الدبابات الاميركية، وان تحولا دون ان ينطلق من اراضيهما صوت عراقي يطالب مثلا بترك الشعب العراقي يقرر مصيره بنفسه او يدعو لرحيل القوات الاميركية عن بلاده، وان تفعلا المستحيل لجعل الاحتلال الاميركي المادي للعراق احتلالا معنويا كاملا للمنطقة كلها . وفي سياقها كذلك ان مسألة الاحتلال الاسرائيلي لهضبة الجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية تستطيع ان تنتظر، وان قضية فلسطين هي رهن بمدى التفاهم المقبل بين ارييل شارون ومحمود عباس وبمدى «التعاون» الامني بين قوات الاحتلال وعناصرالشرطة الفلسطينية، وان «خريطة الطريق» هي المسار الوحيد الممكن والذي يجب الا توضع في دربه اية عراقيل لأن البديل هو الجمود، تماما كما كان الحال منذ تسلم بوش سلطاته وعلى امتداد حرب شارون الشاملة ضد الشعب الفلسطيني . والا فتهمة امتلاك، او السعي لامتلاك، اسلحة الدمار الشامل جاهزة بالنسبة لسوريا، وتهمة ممارسة «الارهاب» ورعايته جاهزة بالنسبة للبنان . وسيف العقوبات الاقتصادية والعزل السياسي، وربما الغزو المسلح، مشهر بدوره في وجه الدولتين. انتظار المقاومة هل يشك احد في ان هذه «الفرمانات» هي ذاتها، وان بكلمات وصيغ مختلفة، موجهة عمليا ضد كل انسان عربي بالمطلق وضد كل دولة عربية او اسلامية على تماس جغرافي مع العراق - ومع اسرائيل طبعا - او على تماس فكري او اخلاقي مع القضية الفلسطينية ؟!. لا تنكر الولايات المتحدة نفسها ذلك، وهي عندما تقول ان هدفها بعد غزو العراق هو اعادة تشكيل المنطقة على الطريق لبناء شرق اوسط جديد فهي تهدد في الوقت ذاته بان من يقف في وجه هذا الهدف سيكون مصيره مثل مصير العراق : تغيير النظام فيه بالقوة . اما الشعارات فهي اشاعة الديمقراطية والحريات العامة واقتصاد السوق والتنمية الاقتصادية - الاجتماعية في المنطقة وفي كل بلد على حدة ..واخيرا اقامة منطقة للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة واسرائيل كما قال بوش عن خطة له يتصور تنفيذها في خلال السنوات العشر المقبلة . ديمقراطية ؟! نعم، بتنصيب « قادة» و «حكومات» - بصورة انتقالية مؤقتة طبعا - ولكن تحت اشراف ضباط ودبلوماسيين ووزراء اميركيين سابقين تكون لهم اليد الطولى، وفي النهاية القرار، في ما يتعلق بمستقبل الشعوب التي تخضع للاحتلال . حريات عامة ؟! نعم ايضا، ولكن مع وجود ضباط اميركيين يتولون الرقابة المسبقة على برامج التلفزيونات، كما حدث بالنسبة لمحطة تلفزيون الموصل التي سرقت معداتها واجهزتها فاضطرت للاستعانة ببرامج فضائيات عربية « قد تحتوي على دعاية مضادة للاميركيين» وفق ما نقل عن قائد الفرقة 101 الاميركية في شمالي العراق . محاربة الارهاب ؟! نعم كذلك، الا اذا كانت الميليشيات المتهمة بالارهاب والاسلحة التي تملكها صالحة للعمل في خدمة المخططات الاميركية، كما حدث بالنسبة لمنظمة «مجاهدي خلق» الايرانية المتواجدة في العراق منذ نظام الحكم السابق، والتي عقدت معها قوات الاحتلال «هدنة» في 15 ابريل الماضي ربما لاستخدامها لاحقا ضد ايران في حال لم تستجب طهران للمطالب الاميركية. التنمية الاقتصادية ؟! نعم طبعا، ولكن عبر اطلاق يد الولايات المتحدة وشركاتها - كما اعلن قبل ايام - لادارة كل ما يتعلق بالثروة النفطية في العراق، انتاجا وتسويقا وتنقيبا، وانهاء سيطرة الدولة العراقية « الغاء التأميم» لتكون نهبا لشركات النفط الاجنبية وفي المقدمة منها شركات النفط الاميركية . في عدد 17 ابريل الماضي من صحيفة «الانترناشيونال هيرالد تريبيون» كتب وليام بفاف ان في وسع ادارة بوش ان تدعي انها باتت تسيطر على العراق، وانها بصدد اعادة تشكيل منطقة الشرق الاوسط انطلاقا من ان بلدا واحدا لم يعلن الحرب عليها او يبدأ مقاومة فعلية لها . الا ان بفاف، مع ذلك، يرى ان مقاومة عنيفة للخطة الاميركية المرسومة للمنطقة، وفي اطارها للعالم كله، آتية حتما ان لم يكن في المستقبل القريب ففي وقت ليس ببعيد. ـ كاتب لبناني