الاربعاء 13 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 14 مايو 2003 بعد هدوء اصوات المدفعية وقصف الطائرات وجفاف الدموع بدأت القنوات الفضائية والاذاعات بعمل برامج حوارية تعنى بالشأن العراقي، وتنوعت هذه البرامج من الحديث عن دور قوات الغزو الى اعادة بناء العراق ونظام الحكم القادم وحتى مستقبل الرياضة. والمتحدثون بكل الوان الطيف السياسي والثقافي يدلون بآرائهم، فمنهم من يطالب بقتل مليون ونصف المليون عراقي المنتمين لحزب البعث حتى يهدأ باله ويرتاح ويقوم بدوره المنوط به في بناء الدولة، ومنهم من يطالب بنسيان الماضي والتصالح وتصفية القلوب، والبعض يطالب بالعودة للدين لانه الحل الوحيد للخروج من المأزق الذي تعاني منه الامة. العودة للدين!! كيف يكون هذا؟ هل نستطيع ان نجبر الناس على ان يكونوا مؤمنين؟ لو تولت الحكم شخصية اسلامية في دولة ما، فهل يكفي هذا لتصبح هذه الدولة قوة عظمى تستطيع ان تدافع عن المستضعفين في الارض؟ احيانا يكون طرح البعض لقضيته غير ناضج فيقتل الفكرة في مهدها ويكتب شاهدها على قبرها بدون ان يدري، والسبب جهله بما يتحدث عنه، وترديد مايسمع بشكل آلي، وعدم وضوح الرؤية في عقله. هناك ادوات تستطيع الدولة ان تحركها وتتحكم بها، وهناك ادوات ليس للدولة اي وسيلة للسيطرة عليها، فالدولة تستطيع ان ترفع المستوى الثقافي والتعليمي للناس ان اهتمت بنظام التعليم وصرفت عليه بالشكل الصحيح، واهتمت بالثقافة والتربية وفرضت هيبة القانون ورفعت من شأن القضاء لتزيد من انضباطية الشارع، فالدول التي يحترم فيها القانون يكون مواطنوها اكثر ادبا ولباقة مع انفسهم ومع الاخرين، والدول التي تهتم بالثقافة يصبح مواطنوها اكثر شفافية واجمل ذوقا واوسع ادراكا واكثر تسامحا. يستغرب الكثير من مواطني العالم الثالث انضباطية الشارع الغربي، ولكن لو تأملنا في طوابير الناس التي تقف امام مواقف الحافلات ومداخل القطارات ومنافذ البيع لشاهدنا ثقافة متراكمة تمتد لسنوات طوال، فمناهج التعليم، والمستوى الثقافي، والتربية الاسرية، والانظمة الامنية والقضائية، كلها امور اجتمعت في رؤوس هؤلاء وجعلتهم يلتزمون بالصف ويحترمون الاولوية ويحتقرون من يتجاوزهما. تستطيع اي سلطة عالمثالثية ان تجبر الناس على الوقوف في طوابير ولكن لو غابت السلطة واختفى الشرطي عمت الفوضى مرة اخرى وتدافع الناس وتقاتلوا للوصول الى غايتهم التي بامكانهم ان يصلوها لو وقفوا في طابور يحفظ كرامتهم ووقتهم، لكنها التربية التي غابت والسلطة التي فرضت نفسها خوفا دون سند ثقافي او تعليمي او قضائي هي التي جعلتهم لايحترمون بعضهم بعضا ولا يحترمون السلطة نفسها حين تغيب عن اعينهم. هذه هي الادوات التي بيد الدولة، لكن ما هي الادوات التي ليست بيدها؟ هي كثيرة منها الدين الذي لا تستطيع اي سلطة ان تغرسه غرسا في عقول وقلوب مواطنيها، ان كل ماتستطيع الدولة فعله هو غرس احترام الدين في وجدان الناس وتبيين مزاياه والحث على التمسك به واظهار دوره في تشكيل الثقافة العامة، عدا ذلك تبقى قلوب الناس لايمكن جمعها على رأي واحد. إن انتظار الفرج من السماء دون الاخذ باسباب القوة والتقدم يصنع دراويش منعزلين في صوامعهم ان لم يصاحب هذا التمسك رؤية واضحة لدولة حضارية تستوعب الناس على مختلف مشاربهم واتجاهاتهم وآرائهم. لقد تمسكت دولة طالبان بأهداب الدين فقط دون اسباب الحياة فهل غيرت مجرى التاريخ؟ ورسمت ماليزيا تصورا لما تريد ان تكون عليه، وجعلت الدين جزءا من ثقافتها، واستوعبت الاختلافات العرقية والدينية المكونة لكيانها، واستقطعت من ميزانية التسليح لتسكبها استثمارا رائعا في التعليم، فغدت دولة تفخر بتجربتها التنموية الرائدة، وانتقلت من مصاف الدول المتخلفة الى المتقدمة، وارتفع مستوى دخل الفرد فيها لتغدو مركزا تجاريا وصناعيا وسياحيا مهما في منطقة آسيا، وهناك دول اسلامية تدعو للتمسك بأهداب الدين ولكنها لا تصاحب دعوتها تلك بنظام تنموي مواز، ولا رؤية مستقبلية واضحة، فتدينها الذي تريد ضيق لايستوعب الجميع، فهي تسير في مكانها، لم تحقق مكانة دينية ولا دنيوية، وستبقى هكذا حتى تعلن عن اصلاحات سياسية واقتصادية تدفعها باتجاه الخروج من عزلتها. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»