الاربعاء 13 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 14 مايو 2003 التجاذب الذي يشهده مجلس الامن الدولي حالياً حول مشروع القرار الاميركي الداعي الى رفع العقوبات الدولية عن العراق وانهاء العمل ببرنامج «النفط مقابل الغذاء»، يعيد الى الاذهان الصراع المرير الذي شهدت الساحة الدولية فصولاً متعددة منه خلال المرحلة التي سبقت الغزو الاميركي للعراق. وبرغم ان هذا التجاذب لا يبلغ في حدته المستوى الذي بلغته مواجهات الاشهر الماضية، نظراً لتغيّر الظروف وتولّد معطيات جديدة بتأثير الانتصار العسكري السريع الذي حققته الحملة الاميركية الكاسحة، لكن اطرافه لاتزال هي ذاتها: الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة، وفرنسا والمانيا وروسيا في الجهة المقابلة. كما ان موضوعه ظل هو نفسه: دور الامم المتحدة في تسوية النزاعات الدولية والمحافظة على السلام العالمي. اما ساحة المواجهة فهي العراق دائماً: ارضه ونفطه ومياهه وتراثه.. حيث جعل الاحتلال الاميركي كل شيء مستباحاً فيه. وفي الواقع فإن الولايات المتحدة، التي عجزت عن اضفاء شرعية دولية على حربها ضد العراق، تريد ان تعوِّض الان بجعل احتلالها للعراق تحت مظلة هذه الشرعية، وذلك لامتلاك القدرة على تحقيق اهدافها من دون اي معوقات. واذا كانت الادارة الاميركية وجدت نفسها قادرة على خوض الحرب، بمفردها وخارج اطار الشرعية الدولية، وهي فعلت ذلك من دون اي تردد معتمدة على تفوقها العسكري الكاسح، لكنها اكتشفت في اعقاب الحرب وبعد سقوط نظام صدام حسين وحدوث حالة انهيار عامة في هذا البلد، انها لا تستطيع تجاوز مجلس الامن الدولي وتجاهله كلياً كما فعلت سابقاً، لا بالنسبة لتصدير النفط العراقي، وهو بيت القهيد في الحرب الاخيرة، ولا بالنسبة لاعادة الاعمار وتوفير الأموال اللازمة للانفاق على مختلف الخدمات التي يحتاجها العراقيون واستئناف عمل المرافق العامة في صورة طبيعية. ويرى المحللون ان الادارة الاميركية، التي لاحظت ميلاً لدى بعض الدول الكبرى التي ناصبتها العداء سابقاً (في مقدمتها فرنسا والمانيا وروسيا) لاجراء نوع من المصالحة معها تجنباً لمزيد من الانهيار في العلاقات بين الطرفين او بهدف الدخول في مساومة حول عدد من القضايا التي تتصل بمصالحها في العراق وفي مناطق اخرى من العالم، ادركت ان لغة تبادل المصالح يمكن ان تشكل وسيلة مناسبة لاستئناف الحوار بين الجانبين. والحال، فإن رفع العقوبات عن العراق هو افضل اختبار لقياس مدى امكانية الانتقال بالعلاقات من حال «شبه القطيعة» على المستوى الرسمي، الى حال تجديد التعاون تحت عناوين جديدة ملائمة لطبيعة المرحلة الراهنة واحتياجاتها. احتلال.. لا تحرير ومن اجل الوصول الى هذه الغاية كان لابد من اعتراف الولايات المتحدة بأن وجودها العسكري في العراق ليس سوى احتلال ـ وهو ما كانت ترفضه سابقاً ـ بغض النظر عن الشعارات الرنانة التي رفعتها الادارة الاميركية لاظهار غزوها للعراق باعتباره عملية «مقدسة» لتحرير الشعب العراقي. فالاساليب التي مارستها وتمارسها القوات الاميركية في العراق لا تدل على انها «قوات تحرير»، وانما هي قوات غزو واحتلال وتوسع استعماري. كما ان القيادة الاميركية لم تخف رغبتها في البقاء طويلاً في العراق «لانجاز مهماتها كاملة»، وفي السيطرة الكلية على الثروة النفطية العراقية والتحكم بها، انتاجاً وتسويقاً، وفقاً لمصالحها الاقتصادية والسياسية. وهكذا.. لم يكن امام الادارة الاميركية الا ان تسجّل هذا الاعتراف بوضوح كامل: نعم انه احتلال. ولكن مقابل ذلك، فقد تضمن مشروع قرار رفع العقوبات عن العراق، الذي قدمته الولايات المتحدة الى مجلس الامن الدولي مجموعة من النصوص والبنود تخدم جميعها المصلحة الاميركية. فالمشروع ينص على انشاء صندوق رئيسي تجمع فيه الأموال الواردة الى العراق عن طريق الصادرات النفطية او اية مداخيل اخرى، وذلك للانفاق منه على جميع الحاجات العراقية واعادة الاعمار وتمويل ميزانية الدولة. بيد ان عملية الانفاق ستتم تحت اشراف «المفوض السامي» الاميركي، حتى وان تم تشكيل ادارة عراقية مؤقتة. ذلك ان مهمة هذه الادارة ستنحصر، ولأمد غير محدد، في تأمين الخدمات للمواطنين، في حين ان الشئون السياسية والامنية الرئيسية ستكون من مهمة قيادة الاحتلال، التي تقرر ان يكون على رأسها بول بريمر الرئيس السابق لادارة مكافحة الارهاب في الولايات المتحدة. وكما يلاحظ فإن مسئولي الادارة الاميركية يتحدثون عن هذا الجانب بوضوح كامل. وعلى هذا فإن الاحتلال الاميركي، الذي يفترض ان يتحمل مسئولية واعباء ضمان امن مواطني الدولة المحتلة وتوفير الخدمات الضرورية لهم والانفاق على عمليات الاعمار، وخاصة فيما يتعلق باعادة بناء ما خربته الحرب او ما جرى تخريبه ونهبه بعد انهيار النظام السابق، سيكون في حِلٍّ من اية مساءلة. فالاحتلال يسيطر على النفط، ويرسم سياسات البلاد الداخلية والخارجية، ويوجِّه عمليات اعادة الاعمار وفقاً لمصالح الشركات الاميركية، وبما يخدم السياسات الاميركية العامة في المنطقة والعالم كله، لكنه في الوقت ذاته لا يتحمل اية مسئولية مادية ويعتبر ذلك من مسئولية العراقيين انفسهم! وفوق ذلك فإن «قوات السلام الدولية» التي تسعى الولايات المتحدة حالياً الى تشكيلها ستكون، هي الاخرى، تابعة للقيادة الاميركية، بدلاً من ان تكون تابعة لسلطة الامم المتحدة. وبهذا، لا تكتفي الادارة الاميركية بقطف «ثمار الاحتلال» مادياً وسياسياً، وانما تحاول التخلص من الاعباء الامنية ومخاطر تعرض قواتها لردود فعل المواطنين العراقيين الذين سيجدون انفسهم، عاجلاً او آجلاً، في مواجهات جدية مع قوات الاحتلال، لاسباب كثيرة ابرزها استنهاض الكرامة الوطنية والمصالح الوطنية. وبذلك تضمن الادارة الاميركية اماناً نسبياً لقواتها، عن طريق وضع الآخرين في الواجهة وتوزع الخسائر البشرية المحتملة على اطراف عدة، بحيث تخف وطأتها على الجميع. دور الأمم المتحدة والنقطة الثانية في المشروع الاميركي هي اناطة دور محدود بالامم المتحدة في عراق ما بعد الحرب، وذلك عبر الطلب من الامين العام للامم المتحدة تعيين منسق يتولى بعض المهمات الثانوية التي يغلب عليها الطابع الانساني، ومع انتهاء العمل ببرنامج «النفط مقابل الغذاء» ـ وفقا للمشروع الاميركي ـ يتحول دور الامم المتحدة من منفذ رئيسي لتوجيهات مجلس الامن الدولي وقراراته ذات الصلة، الى دور استشاري تابع لـ «المفوض السامي الاميركي»، أو منفذ لتعليماته، وعلى اساس علاقة التبعية هذه تغدو الامم المتحدة وامينها العام ومنسقها المكلف جزءا من الاحتلال الاميركي ومن آلية عمله الخاصة! والى ذلك، فان مشروع القرار الاميركي يتجاهل موضوع اسلحة الدمار الشامل، الذي كان إحدى الذرائع الرئيسية للحرب على العراق، ولا يوضح المشروع كيفية اقفال هذا الملف الذي لايزال مفتوحا بالنسبة للامم المتحدة ولمختلف دول العالم، خصوصا وان قوات الغزو لم تستطع اثبات وجود أي نوع من هذه الاسلحة في العراق. ان دول «معسكر السلام» تجد نفسها في تناقض واضح مع الادارة الاميركية في مختلف القضايا المشار اليها سابقاً. اذ على الرغم من الرغبة التي ابدتها هذه الدول للتفاهم مع الولايات المتحدة في شأن القضايا المتصلة باعادة اعمار العراق، الا انها مازالت تصرّ على ان يكون للامم المتحدة «دور محوري» في عراق ما بعد الحرب، ورداً على النص الذي يتضمنه المشروع الاميركي في هذا الشأن، فقد عبَّرت باريس عن موقف متشدد مفاده انه من الافضل للامم المتحدة ان تتخلى عن كل دور لها في العراق اذا اصر الاميركيون على ان يكون هذا الدور هامشياً. كذلك ابدت الحكومة الفرنسية اعتراضها على ان تحاول الادارة الاميركية الحصول من مجلس الامن والامم المتحدة على شرعية لاحتلالها «بمفعول رجعي»، فتغدو الحرب نفسها شرعية، كما تحصل على رخصة مفتوحة لمواصلة الاحتلال حتى امد غير معروف. الاحتلال.. ودول الجوار ويفاقم من هذا الوضع الحملات الاعلامية والسياسية الضارية التي تشنها الادارة الاميركية على عدد من الدول المجاورة للعراق، لاسيما سوريا، ثم ايران المتهمة بتطوير برنامجها النووي. وتهدد واشنطن بفرض عقوبات على طهران لحملها على وقف هذا البرنامج، بتحريض مكشوف من اسرائيل، في الوقت الذي تتصدى موسكو للحملة الاميركية مؤكدة ان البرنامج النووي الايراني يقتصر على الاغراض السلمية ولا يشكل انتهاكاً لمعاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية. وحتى تركيا لم تسلم من الحملات الاميركية، اذ تعَّرضت لانتقادات عنيفة مفاجئة من بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الاميركي لانها لم تساند الولايات المتحدة في حربها على العراق. لكن المسئول الاميركي، الذي أبدى عتبه على المؤسسة العسكرية التركية التي«لم تقم بالدور القيادي الذي كنا نتوقعه» دعا انقره الى التعاون مع واشنطن في مخططها الرامي الى محاصرة كل من سوريا وايران. وتؤشر ملاحظات وولفويتز الى نوايا الادارة الاميركية المستقبلية بالنسبة لسوريا وايران وسط احتمالات متزايدة حول استهداف الدولتين المذكورتين والضغط عليهما تشجع اكراد العراق على اتخاذ المزيد من الخطوات ذات الطبيعة الاستقلالية، وهي لذلك تبدو متحفزة دائما للتدخل في شمال العراق اذا ما تبين لها ان النزعات الاستقلالية الكردية تجاوزت «الخطوط الحمراء» التي تضعها على طريق مشروع اقامة «الدولة الكردية المستقلة». وبينما تتوجه الانظار الى مجلس الأمن الدولي لمتابعة الصراع، الذي يتجدد الآن فوق ساحته بين «معسكر السلام» و«معسكر الاحتلال» توقف المراقبون عند الحكم القضائي المثير للدهشة الذي صدر في نيويورك لمصلحة بعض ضحايا 11 سبتمبر (2001) تحت ادعاء وجود صلة بين العراق وتنظيم «القاعدة». وقد استندت المحكمة في قرارها الى ادلة تافهة هي عبارة عن ادعاءات خاصة وتصريحات صحفية واستنتاجات، ولكنها قرائن لاترقى الى مستوى جدي ورصين يؤهلها لان تتحول الى ملف قضائي. ويستدل من مجريات هذه القضية ومن الحكم العشوائي الذي صدر في شأنها عن المحكمة النيويوركية ان هناك تصميماً «اميركياً» على الاستيلاء على ثروات العراق بكل وسيلة ممكنة، حتى لو ادى الامر الى استخدام القضاء الاميركي في هذا السبيل. والا ما معنى ان يكون التعويض الذي حددته المحكمة الاميركية في حجم استثنائي وهو 104 ملايين دولار، مع ان هذا التعويض يعود لشخصين فقط من اصل مجموع الذين سقطوا في احداث الحادي عشر من سبتمبر! واستناداً الى كل ذلك، يتساءل المراقبون: كيف يمكن للاحتلال الاميركي، الذي لا يتورع عن انتهاك كل المباديء والقيم الاخلاقية «الانسانية»، فضلاً عن الشرعية الدولية التي تجسدها الأمم المتحدة، ان يساعد في بناء عراق جديد حر ومعافى؟ وكيف يمكن انتدابه والوثوق به لتحقيق سلام الشرق الاوسط الذي تتحدث عنه الادارة الاميركية؟! ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا