الثلاثاء 12 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 13 مايو 2003 قلت لشقيقتي انني سأمر عليها غداً. قالت انها تنتظرني، لن تخرج انما ستبقى في البيت. لم أعد أطيل المكث، لا يمكنني القول انني أقوم بزيارات، إنما هي طلات سريعة تتم خلال مروري أو قصدي حيث تقيم. صباح الغد ثمة موعد في جامعة عين شمس، سأكون على مقربة من مدينة نصر، هذا مناسب. قبل ان أستفسر عن أحوال شقيقي بادرتني، اذ عثرت على رسالة قديمة الى ابي. «مني أنا؟». قالت انها كانت تقلب الأوراق التي تحتفظ بها عندما فوجئت بهذا الخطاب، مضى على ارساله ثمانية وعشرين عاما. انه مؤثر جدا، بعد انتهاء المهاتفة رحت أمعن في الزمن المنقضي، أي رسالة؟ ومن أين؟ لماذا؟. أبي ـ رحمه الله ـ لم يكن يتقن القراءة، لم تتح له الظروف فرصة اتمام تعليمه الذي تاق إليه وادخر له المال، هذا ما فصلته في «كتاب التجليات»، لا أذكر انني خصصته بخطاب، انني جلست الى طاولة وكتبت بخطى موجها اليه الحديث، كيف أكتب اليه وهو غير قادر على جلو الحرف من الحرف الا بصعوبة. متى فرغت الى نفسي وتوجهت بالخطاب الى أبي؟ لم أكن قادرا على التحديد أو التعيين، انها المرة الاولى التي افاجأ فيها بكتابة رسالة الى ابي، رسالة لا أعرف عنها أي شئ، وما من مستثيرات قادرة على تحفيز خلايا ذاكرتي لاستعادة لحظة ماضية، منقضية، لا يحيطني منها شئ. متى؟ أين؟ شقيقتي حددت المدة الفاصلة بثمانية وعشرين عاما، أي كان ذلك في منتصف السبعينيات، أعي الآن ادراكي للمحو التام الذي لحق لحظات مررت بها، ومواقف عاينتها وعانيت منها، أوقات مرت بي، مررت بها، لكن لم يعد لها وجود من قريب أو بعيد في ذاكرتي، كأنها تخص غيري ولذلك لا تستثير عندي أمرا. بدأ الأمر منذ سنوات بنسيان أسماء أشخاص، أحيانا التقي بهم، أعرف الملامح، لكنني لا أقدر على استعادة الاسم، أحيانا يسألني البعض: هل تتذكرني؟. أقول من باب الحقيقة والمجاملة، نعم، بالطبع أملا في انقضاء الموقف، لكن بعضهم يتبع تساؤله باستفسار آخر: من أنا؟ في بداية ظهور هذا الحال كنت أراوغ. لكن مع التكرار صرت لا أخجل من التصريح وطلب الايضاح: هل لك ان تذكرني لانني نسيت؟ ان يطال المحو اسماً ما فهذا طبيعي مع تقدم الانسان. وتراكم اللحيظات، لكن ان يلحق برسالة كتبت في ظرف خاص فهذا ما يبدو غريبا. كيف أكتب لأبي وأنا موقن انه لن يقرأ، هل اعتمدت على قراءة الآخرين للرسالة؟ تماما كما كانت تصله خطابات خالي من البلدة المملاة على من يتقن الكتابة، كان خالي يفك الخط، يمكنه ان يخط بضع كلمات، كان وِلْد حميد يعرف القراءة والكتابة، يملي عليه القوم رسائلهم مقابل حفنة بلح أو نصف قدح ذرة أو قمح أو قمع سكر أبيض أو أحمر أو بيضتين، حسب التساهيل، نهاية الرسائل ذات صيغة متشابهة لم تتغير. «أما بعد، الجميع من عندنا يسلمون عليكم ولا ينقصهم الا رؤياكم، والسلام ختام». لا تكون الرسالة الا من بعيد، لابد ان دافعا قويا جعلني أكتب، لكنني غير قادر على استعادة تلك اللحيظات، أو الظروف التي دونت فيها كلماتي، أو الدافع، غير قادر، أرجأت الأمر الى زيارتي، أو مروري غدا على شقيقتي. عادت من حجرتها ممسكة بالمظروف. قالت انها كانت ترتب أغراضها عندما وجدت هذا المظروف، لم أستطع تحديد مشاعرها بدقة، كانت مبتسمة ولكن ثمة حزن شفيف، ربما بتأثير الحنين، انها الآن تقترب من الثالثة والخمسين وحيدة، بعد ان حاد الحظ ومال البخت، هذا أمر دقيق فلأرجئ الحديث عنه. المظروف مفتوح من الطرف الأيسر، بالقياس الى بدء الكتابة وموضع الطابع، عراقي، صادر بمناسبة عيد الثورة، لكن من غير الواضح أي عيد، في أي عام بالتحديد، السعر خمسة عشر فلسا. خاتم مكتب البريد، صادر من السليمانية. شمال العراق، اذن.. العام خمسة وسبعين من القرن الماضي، لكنني لم أدخل السليمانية، انما مررت بالقرب منها، بالتأكيد لم أدخل المدينة، كنت أرافق الوحدات العسكرية وقتئذ في الجبال القريبة لأعد تحقيقات صحفية عما يدور في الشمال الكردي، كنت اتنقل عبر الجبال وأنزل مواضعا ربما لم يطأها بشر منذ بداية التكوين عند قمم الجبال، جبال بكر، وخضرة غزيرة وقمم مكسوة بالثلوج طوال شهور السنة. عللت ختم المدينة البريدي بأنني ربما طلبت من أحد المرافقين القاء الخطاب في أي صندوق بريد بالمدينة، بالتأكيد ليس لدي أي اشارة. لا من قريب أو بعيد، تؤمن أو تنبئ بمثل ذلك، ثم من ذلك الشخص الذي يمكن ان أكون قد وثقت به؟ لا أذكر الا ضابط مرافق من ادارة التوجيه السياسي، تقابل ادارة الشئون المعنوية في الجيش المصري، غير ان فارق المهمة كبير، ادارة التوجيه العراقية تتبع الحزب الحاكم وللحزب الهيمنة والكلمة النافذة. كان مرافقي يجمع بين الصفتين: فهو حزبي وضابط برتبة رائد. اسمه شرف. كان لطيفا. محبا للمرح، كثير الدعابة، دائم الذكر لأطفاله الخمسة، الأكثرية فتيات، ربما ثلاث وطفلين، أو أربع وولد. لا تحضرني ملامحه الآن، انما عموم هيئته، قامته المتوسطة الممتلئة قليلا، وابتسامته عند تصاعد المفاضلة بين التفاح والبرتقال، كنت بصحبة صديق مصري مقيم في بغداد، آل أمره اليها بعد خروجه من مصر، واستقر، كان متخصصا في السينما التسجيلية. كنا ننتمي الى اليسار الشيوعي، كان الحزب الشيوعي العراقي وقتئذ متحالفا مع حزب البعث الحاكم، ومن بين شروط التحالف الا يعمل أي حزب ـ باستثناء البعث ـ في الجيش، في جبال كردستان كانت الجماعات المسلحة التابعة للشيوعيين من الأكراد تقاتل الى جانب وحدات الجيش. فيما بعد تغير الوضع، أنقلب الحال وصارت المواجهة، رمزنا للبعثيين بالبرتقال، وللشيوعيين بالتفاح، صار ذلك مصدر دعابتنا طوال الترحال في جبال كردستان، كان شرف يكرر ان المصريين يحبون الدعابة، كان ما يقضه ان يقتل في الحرب ويترك أطفاله يتامى، يردد «ما زالوا جهالا»، فيما بعد تابعت اخباره، علمت انه أصيب خلال الحرب العراقية ـ الايرانية وأستقر بالخطوط الخلفية ثم غاب عني أمره فيما تلى ذلك. هل سلمت الخطاب الى شرف ليضعه في صندوق البريد؟ ربما. لكنه لم يفارقنا طوال الوقت. على مهل اخرجت الرسالة من المظروف، الكلمات خطت بقلم حبر جاف أزرق، الكتابة في أربيل، امضيت ليلتين في المدينة العتيقة، لكنني لا أذكر وضعية جلوسي كاتبا، لا أكتب خلال اسفاري الا الملاحظات، واذا اضطررت الى كتابة خطاب أوجز الى أقصى حد، لذلك أفضل البطاقات البريدية. قالت أختي مبتسمة ان التاريخ خمسة عشر من مارس، اليوم خمسة عشر من مارس، انه نفس اليوم، تطلعت اليها صامتا، بالتأكيد لم تقصد، لانني الذي حددت موعد الزيارة، أنا من اتصلت ليلة أمس وأخبرتها بمروري في الغد، صدفة غريبة، في مثل هذا اليوم تماما منذ ثمانية وعشرين عاما كتبت هذه الرسالة، أي دافع؟ لا أدري الآن، لا يسعني الا التفسير والتخمين لحال مر بي ومررت به، مع ان الأمر متصل بي، لكنني منقطع عنه بالنسيان والمحو. قلبت، فكأني أنقب في أصولي الغائبة وجذوري التي لا تبين محاولا ايجاد العلامات الدالة وقراءة ما يلوح منها واستنتاج ما يمكن ان يغيب عن البصيرة بينما البصر يدركه. عندما شرعت لم أكن أعلم انه سيرحل الى الأبد بعد خمس سنوات وسبعة شهور.. لكن يمكنني تفسير الدافع، عندما نزلت أربيل شمال العراق كنت قصيا عنه. بعيدا، وفي البعد يدركني الاحساس بالذنب والتقصير في حق من نحب واليهم ننتمي، هذا حال يغلب علي عند الشروع في سفر، قبل بدئه أراجع النفس وأبدي ما كنت أخفيه أو أتوارى منه. لابد ان أمرا أقلقني في ذلك المكان النائي، المحفوف بالمخاطر، دفعني الى مخاطبة أبي عبر الكتابة وهذا نادر بيننا، ربما لهذا بدأت بالاشارة الى المكان القصي الذي حللت به لأحنن قلبه، هو الحنون دائما. من النثار الذي أفلت من المحو لحظة خروجه لتوديعي في اول سفر لي، أول خطى اغترابي الذي تكرر كثيرا فيما تلى ذلك. لابد انه كان حزينا لسبب ما، لابد ان سوء فهم وقع، ابدأ بعد الحديث عن البعد، بالتأكيد على حبنا الدفين له، وتقديري العميق وفخري بما قام به من أجلنا، وان كانت الظروف لم تسمح بقول هذا له فلأن مشاعرنا دفينة، أقوى من الكلام.. هل قرأ له اشقائي ما كتبت؟ لم أسأل أختي خشية ان تنفي، فلأبقي الاحتمال معلقا، خاصة انني أدركت أمري فجأة، اثناء مرور بصري، أثناء قراءة الكلمات، كأني أوجهها اليه الآن، أشيعها نحو الأبد الذي صار إليه وانتهى.