التحالف الانغلوسكسوني وصراع الهويات ـ بقلم: ممدوح الشيخ

الثلاثاء 12 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 13 مايو 2003 على صفحات البيان نشرت في 15 - 9 - 2002 مقالا عنوانه «الهوية معركة القرن الحادي والعشرين»، وهي الظاهرة التي بدأت بعض مراكز البحوث الأميركية مؤخرا توليها المزيد من الاهتمام على خلفية التحالف الذي قادته الولايات المتحدة في حرب العراق، وفي المقال محاولة لتتبع الدور المتزايد للهوية على ساحة السياسة الدولية بعد أن لعبت الأيديولوجيا الدور الأكبر خلال القرن العشرين الذي كان قرن صراع الأيديولوجيات بامتياز حيث شكَّل الصراع بين الرأسمالية والفاشية السمة الرئيسة للنصف الأول منه. ورغم أن صراع الهوية كان جزءا من بنية الصراع بين الرأسمالية والفاشية، فإنه لم يكن السمة المميزة للصراع، ولعبت الانتماءات القومية والمذهبية والدينية أدوارا شديدة الأهمية في هذا الصراع. وخلال النصف الثاني من القرن العشرين كان الصراع بين الرأسمالية والشيوعية السمة المميزة فانقسم العالم إلى معسكرين كل منهما يحاول التبشير بأيديولوجيته. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين يكاد الصراع الأيديولوجي يختفي ليحل محله صراع الهويات. وقد راهن محللون كثيرون على أن زوال الصراع الأيديولوجي بهزيمة أحد طرفيه سيؤدي بالضرورة لأن تكتسح الرأسمالية بوصفها «الأيديولوجيا المنتصرة» العالم كله وتصبح خيارا عالميا يظهر بانتصاره «المواطن العالمي» وفق الشروط الرأسمالية. ولأن التاريخ لا يسير وفق قانون خطي بسيط تغير ميدان الصراع تماما وفقدت الأيديولوجيا بريقها أو كادت، وضمن ذلك الأيديولوجيا المنتصرة نفسها، ونزعت مجموعات سكانية كثيرة في العالم المتقدم والمتخلف على السواء نزوعا متفاوتا بلغ أحيانا حد التطرف نحو تأكيد هويتها. وتعد بريطانيا حالة كلاسيكية لدور الهوية في عالم اليوم فهي بحكم الجغرافيا ترتبط بأوروبا وبحكم التاريخ طرف رئيسي على الساحة الأوروبية التي يفصلها عنها بحر المانش، بينما هي اتساقا مع هويتها تفضل الإتجاه غربا نحو الولايات المتحدة التي يفصلها عنها المحيط الأطلسي وهي تعطي ظهرها بإصرار لمسيرة الوحدة الأوروبية رغم ما تبشر به هذه المسيرة مستقبليا، قانعة بدلا من ذلك بدور يصفها الكثيرون بسببه بأنها في حالة تبعية مذلة للولايات المتحدة. ورغم أن غير قليل من المحللين بدأ يضع التحالف الأميركي البريطاني في إطاره الصحيح كتحالف تلعب الهوية بمعناها الواسع دورا أساسيا فيه، فإنهم يعتبرونه تغيرا حديثا، وهم بذلك يتناسون أن «حلف يوكوزا» الذي يدير شبكة إيشليون التجسسية الأكبر كونيا أنشئ قبل منتصف القرن العشرين وكان حلفا إنغلوسكسونيا خالصا، كما أن هذا الاتجاه يفسر الدور المتنامي لدولة مثل استراليا في محيطها الإقليمي أولا في أزمة تيمور ثم في الحرب على العراق. فعلى سبيل المثال يصف الكاتب الأميركي جيم مان (وهو كاتب رئيسي لدى المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والدولية بالولايات المتحدة الأميركية) هذه الحالة في مقال نشره قبل حرب العراق بقليل بقوله : «شيئاً فشيئاً بدأت تسيطر على الولايات المتحدة في غضون الأشهر القليلة الماضية فكرة على درجة من الغرابة في إطار البحث عن أساس جديد يمكن أن تبنى عليه السياسة الخارجية الأميركية وحتى تنجلي هذه الفكرة فلنسمها الوهم الأنغلوفوني». ولا يخفى هنا الإيحاء السلبي الذي يتعمده جيم مان بالقياس على «الوهم الفرنكفوني» الذي يسيطر على الصديق اللدود فرنسا. وما يربط أركان التحالف الجديد ليس اللغة الإنجليزية بل الثقافة الإنغلوسكسونية التي حمل بذورها المهاجرون إلى العالم الجديد في الولايات المتحدة واستراليا. وما شهدته الحرب على العراق من تباعد في المواقف بين الولايات المتحدة والقوى الكبرى في القارة «القديمة» التي وصفها بعض الساسة الأميركيين بهذا الوصف على سبيل الغمز، وبعضهم استخدم تعبير «القارة العجوز»، هذا التباعد نتاج مزيج من اختلاف المصالح والإحساس المتزايد بالاختلاف، ومن المؤكد أن زوال التهديد السوفيتي قد دشن مناخا جديدا إذ قلص على نحو ملموس إحساس الولايات المتحدة وأوروبا بوجود خطر يتوجب معه نسيان الاختلافات، وهو أحدث تغييرا في الواقع الدولي يشبه إلى حد ما اكتشاف الأميركتين، فلقد كانت بريطانيا قبل هذا الاكتشاف تشعر أنها معزولة عن اليابس القاري الأوروبي وجعلها هذا الاكتشاف في قلب منظومة المواصلات الجديدة بين العالمين القديم والجديد، وبالمثل لم تعد الولايات المتحدة تشعر أنها مشدودة إلى القارة الأوروبية. وتشير دراسات عديدة خلال السنوات القليلة الماضية، وبالتحديد منذ عهد الرئيس الجمهوري السابق رونالد ريجان، إلى حضور متزايد للدين على الساحة السياسية الأميركية، وعلى طريقة النيوزويك التي نشرت قبل الحرب الإنغلوسكسونية على العراق بقليل ملفا وافيا عن التجربة الدينية للرئيس الأميركي جورج بوش حمل عنوان «بوش والرب»، تقتضي منا محاولة فهم السياسة الخارجية الأميركية على نحو أفضل الحديث عن «أميركا والرب»، وبصفة عامة تتسم الثقافة الأميركية - ربما بقدر أكبر من الثقافة البريطانية - بتأثير ملموس للأفكار ذات الأصول الدينية الأمر الذي يجعل للمذهب البروتستانتي الذي يجمعها بحلفائها الإنغلوسكسون دورا في تفضيل التعامل مع قوى دون أخرى، بل إنها وهي تسعى لتحجيم القوى الإقليمية شرقا وغربا تسعى بنفسها لتعظيم دور استراليا ودفعها للدخول بدرجة أكثر فاعلية شبكة المصالح الأميركية والتواؤم معها. وكل صعود لدور الهوية في السياسة الخارجية الأميركية يعزز علاقتها بالكيان الصهيوني، ليس فقط لأنه قادر على تسويق نفسه أميركيا بوصفه الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، بل بوصفه حقيقة من الحقائق الرئيسة في الثقافة الإنغلوسكسونية البروتستنتية التي تشكل تربة خصبة لنمو الأفكار الصهيونية، وتلك معضلة ينبغي أخذها في الاعتبار، لأن العالم العربي يبدو أنه ودع زمن الفعل، ثم تراجع فأصبح يترحم على أيام رد الفعل، ودخل مرحلة من تاريخه إن لم يعتبر فيها فسيكون عبرة للأجيال المقبلة. ـ كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات