الاثنين 11 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 12 مايو 2003 ان تحتلنا الولايات المتحدة فذلك أمر سهل جدا، طالما هي القوة العظمى المالكة لكل هذه الآلة العسكرية الهائلة التي تتباهى بها وتستعرضها أمام أعيننا في كل مكان في الدنيا، وطالما نحن الطرف الاضعف في الميزان العسكري حيالها، هذه حقيقة لا علاقة لها بجلد الذات، ولا بشعور الدونية ولا بالدروشة السياسية، انها حقيقة واقع لا يجادل، واكرر بأننا نتحدث في اطار القوة العسكرية المادية! وان تجد الولايات المتحدة لنفسها مواطيء قدم عندنا ـ وليس موطيء قدم واحد ـ وان تجد كل الثغور بلا حراسة وكل الابواب بلا مفاتيح، فهذه احدى اشكاليات السياسة العربية التي لا تعاني علة واحدة بل عدة علل ان لم نقل بأنها هي بحد ذاتها علتنا الاولى، وهذه ايضا احدى حقائق الواقع العربي الرسمي: الافتقار الفاضح للارادة السياسية العربية! نحن نفتقد لارادة سياسية رسمية تتكفل بالحد من هذا التدهور الشامل الذي تتخبط فيه الامة، ما يفقدها تأثيرها كنظام اقليمي، وكقوة سياسية، وكفاعل اقتصادي يمتلك قوة الطاقة والسياسة الاولى في العالم: النفط! الاشكالية التي بدأت تبرز بعد 9 ابريل 2003 يوم دخول الدبابات الاميركية في مظاهرة قوة الى شوارع عاصمة عربية كبرى كالعراق، ليست في كشف ضعفنا العسكري ولا في انكشاف عرينا السياسي الرسمي، بل في حجم الاختراق الاميركي لذهنية المثقف العربي في الوطن، هذا المثقف الذي لا يتوانى عن التعبير عن استلابه تجاه القيم الاميركية والقوة الاميركية الى درجة تأليه هذه القوة والاعتراف لها بحق احتلالنا واهانتنا والعبث بمصيرنا، طالما انها تسمح للعربي المحتل بالتظاهر دون قيود، وبشراء (الدشات) وكأن المظاهرة وشراء (الدش) هما منتهى احلام المواطن العربي! وطالما وجد مثقفون في هذا الوطن يعتبرون يوم تبختر الدبابات الاميركية في شوارع عاصمة عربية نصرا للأمة، وعيدا للعرب، فأي قوة اخرى نطالب بها، وأي مواجهة نعد انفسنا لها، وأي كرامة واستقلال وديمقراطية نستحقها اذن؟ ان التفكير بمنطق العبيد لا يخلق اوطاناً حرة ابدا! هناك مثقفون يعتقدون للاسف بأن العراق هو اكثر البلدان تحررا اليوم، وبأن اميركا لم تحطم فيه شيئا، صحيح بأن هناك (بعض الضحايا) لكن البنية الاساسية موجودة على حالها، ولا مشكلة في الكهرباء فهذه ستعود ببساطة، ولا معضلة مع النفط فهذا سيعاود التدفق قريبا، كل شيء في العراق (آخر تمام) حسب قراءة احد الاخوة ممن كتبوا لنا يطالبوننا بالتوقف عن الكتابة في الشأن العراقي، وكأن هناك كارثة بالفعل في العراق على طريقة قناة (الجزيرة) حسب تعبيره! العراقيون يعيشون أحلى أيامهم حسب قوله فهم يتظاهرون بلا قيود، ويشترون الدشات، ولا يجبرهم الاميركان على (ترك اكل الباجه والتهام الهمبورغر) وكأن اقصى اماني العراقيين بعد كل هذه الأهوال التي عانوها منذ اكثر من 30 عاما ان يسيروا في مظاهرات يطالبون فيها برحيل محتل آخر غير صدام، ويشتروا الدشات ليتمتعوا بمشاهدة اغاني الفيديو كليب! نقول ان يكون المرء جاهلاً بما يحدث لأمته في هذه المرحلة الخطيرة فتلك مصيبة، وان يتجاهل مصائبها محولا اياها الى انتصارات، قالبا الحقائق رأسا على عقب، فان مصيبته طامة كبرى تحتاج منه الى علاج سريع، ذلك ان ما يذاع وما ينشر وما يكتب وما تقوله الامم المتحدة والمنظمات الانسانية حول الوضع الكارثي في العراق لا يحتاج منا الى ان نبكي على العراقيين بل نحن نبكي على من يدعي بأن (العراقيين يشكلون الآن مستقبلهم ولو في وجود الدبابات، فالدبابات تقبض على الارض لكنها لا تسيطر على الأرواح). وما زال في رسالة القاريء كثير مما يستوقف العاقل لكننا نختم بسؤاله: هل يشكل الفلسطينيون مستقبلهم في وجود الدبابات الاسرائيلية التي تقبض على الارض لكنها لا تسيطر على الأرواح؟ اذن لماذا اعتبرت العمليات الاستشهادية افعالا مجنونة يقوم بها شباب مغسولو الدماغ؟ Aishasultan@hotmail.com