الاثنين 11 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 12 مايو 2003 لست أدري ان كان مجمع اللغة العربية الكلي الاحترام بالقاهرة قد اصطنع عبارة « شاطر ومشطور وبينهما طازج» كناية عن الساندوتش بشكله وطعمه المعروف. وأيا كان نصيب حكاية الشاطر والمشطور من الصحة التاريخية .. فلاشك أن المجمع الموقر يستحق منا كل تقدير ـ نحن الحادبين على اللغة العربية والحافظين لحسن صنيعها في صون أواصر الإنتماء إلى الجماعة العربية ـ ولقد يزيد هذا الاحترام لكل المجامع المنبثة في مشرق الوطن العروبي الكبير وفي مغربه، ويزيد أيضا هذا الحدب العطوف على لغة العرب .. خاصة ونحن نسمع عن مخططات بل ومؤامرات تتربص باللغة ومنها مثلا ما يتستر خلف لافتات الديمقراطية وشعاراتها ومنها دعوة نراها خبيثة ومشبوهة تجسدها عبارة تقول: نحو عراق متعدد اللغات والمجمع اللغوي العتيد لم يقصر منذ إنشائه عام 1932 في خدمة لغة العرب درسا وتطويرا وتحقيقا وتمحيصا وفي حمايتها من شوائب العجمة وشبهات اللفظ المهجن الدخيل وإذا كان قد فاته قصب السبق ـ على ما يقولون ـ في حكاية الشاطر والطازج فقد أهدى المجمع إلى أجيال شتى من ناطقي العربية كلمات ومصطلحات أصبحت كالخبز اليومي في حياتنا ، كلمات قد لا تبدأ بلفظة «لاسلكي» ولفظة سيارة ، تأمل أفلام يوسف بيك وهبى أيام زمان حيث كانت الكلمة المستخدمة هي أوتومبيل وأوتومبيلات ، وليس إنتهاء بإقرار المجمع لكلمة «خصخصة» وقد بدأت لفظا بشعا وربما نابيا في أواخر الثمانينيات إلى أن نالت بركات مجمع الخالدين حيث أستوت مصطلحا شرعيا كما قد نسميه بديلا عن أخوات له لا تقل بشاعه من قبل « خوصصة» أو «تخا» أو مخاصة» - وما إلى ذلك بسبيل. لماذا أنزوت حكاية المشطور والطازج وظلت كلمة ساندوتش في مكانها صامدة أمام الانواء ـ ربما يرجع الامر إلى أن الساندوتش ليس مجرد كلمة مستوردة ولكنها وضع أو عملية أو صيغة تنتمي إلى أسلوب حياة بأكمله في الغرب الاوروبي والأميركي هو أسلوب الطعام السريع (فاست فود) وهو أسلوب أخطف لقمة واركض بعدها إلى حال سبيلك . ثم أن ساندوتش ليست اسما لأكله بل هي ـ كما لعلك تعرف ـ اسم لشخص حقيقي مسجل في حوليات التاريخ ـ فبين عامي 1718 و1792 عاش اللورد جون مونتاجوساندوتش وتولى وزارة البحرية في إنجلترا وعاصر قيام حرب الاستقلال الأميركية التي انفصلت فيها الولايات المتحدة عن بريطانيا .. بمعنى تحررت أميركا ونالت استقلالها عن انجلترا. وقد أطلقوا اسم اللورد ساندوتش المذكور أعلاه على عدد من جزر جنوبي المحيط الأطلسي وهي قريبة من جزر فوكلاند التي تحاربت عندها بريطانيا مع الأرجنتين أيام السيدة الحديدية إياها ـ مرجريت تاتشر ـ وهناك من يقول ان ساندوتش هو الاسم القديم لجزر هاواي التابعة حاليا للولايات المتحدة. وقد كان يمكن أن يضيع الاسم أو يخفت ذكره اللهم إلا في أطالس الجغرافيا فمن ذا الذي يأبه لجزيرة هنا أو هناك في طرف الاقيانوس الأطلسي. لكن اسم اللورد الإنجليزي العتيق ظل مذكورا ومسجلا بعد ان سولت له نفسه يوما ـ كما يقول قاموس أكسفورد الكبير ـ أن يواصل اللعب على طاولة القمار الخضراء .. ربما كان معالي وزير البحرية الانجليزي مقامرا محترفا أو مصابا بادمان الميسر اللعين .. قرص الجوع إمعاءه فأمر بشئ من طعام .. لكنه لم يشأ أن يفارق الطاولة المنصوبة فكان أن تناول شيئا من ادام ثم وضعه بين شطيرتي خبز لزوم الالتهام السريع ومن ثم مواصلة التعامل مع لعبة الحظ والطمع . وربما إستمرأ المقامرون هذا الصنف أو هذه الصيغة من التعامل مع وجبات الطعام فكان أن دخل اللورد مونتاجوساندوتش هو وشطائره دفاتر التاريخ . هي نفس الدفاتر التي سجلت «شغف عبد الله المأمون » الخليفة العباسي المفكر والمثقف بصنف اللحم مطبوخا بالبصل ومطعما بصنوف التوابل ومطهيا على جمر النار الهادئة إلى حيث تختلط العناصر بعضها ببعض ويقدم الطعام فاخرا من حيث الطعم والذوق والعبير المشموم .. هي أكلة المأمونية التي نسبوها في أرجح الاقوال إلى الخليفة الذي بدأت مع حقبته سنوات العصر العباسي الثاني ، زمن الفكر والإبداع وتألق الحضارة العربية في بغداد رد الله غيبتها وداوى جراحاتها وخفف معاناتها .. وربما شغف المأمون أكثر وأكثر بطعم « البهريز » وهي كلمة فارسية الاورمة وتعني كما تقول المعاجم مرق اللحم مخلوطا بالادام وهي كلمة مازالت تتردد على ألسنة الاجيال المخضرمة من أخواننا عرب مصر على نحو ما يقول الدكتور عبد المنعم عبد العال في مصنف طريف أصدره بعنوان «معجم الألفاظ العامية». ويبدو أن أصناف الاطعمة التي أحبها الحكام والوزراء وشغف بها الخلفاء والكبراء تظل محتفظة بسمعتها واحترامها عبر العصور .. وإذا كان اللورد الوزير الإنجليزي المقامر ـ بعد إذنك ـ قد خلع اسمه على الساندوتش وإذا كانت أكلة البهريز قد نسبوها إلى الخليفة المأمون .. فها هم ينسبون اللقيمات اللذيذة التي تزين موائد أهلنا في الخليج إلى .. منصة القضاء .. اسمها في القاهرة وربما في أرياف الدلتا والصعيد «لقمة القاضي » هكذا دون تحديد اسم صاحب الفضيلة أو صاحب السعادة الجالس على منصة الفصل العادل بين الناس .. لكن هذا الصنف المحبب والكلاسيكي أيضا من الحلوى . وهو في الأصل كرات من عجين مغموسة على نحو أو آخر في الدهن ومن ثم في العسل الطبيعي أو السكر المعقود هذا الصنف له تنويعات أخرى من حيث التسميات فمن لقيمات الخليج والجزيرة .. إلى لقمة القاضي في القاهرة إلى زلابية في الاسكندرية وثغور الشمال في مصر وزلابية هي بدورها كلمة فارسية الأصل ولكنها حين تهاجر إلى أرض الشام والعراق لا تلبث أن ترتدي ثوبا جديدا حيث يطلقون عليها اسم «عوامات» . وكأنما كتب على الطاعمين من الذواقة أن يحفظوا متونا في أجرومية الاسماء كي ينعموا بما يستهويهم أو بما «كان» يستهويهم من رونق الطعام نقول «كان» فما نظن أن أحوالنا الحاضرة تسر أحداً ولا تجعل لأي صنف طعما أو تسيغ له مذاقا.