الاثنين 11 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 12 مايو 2003 طوال أسبوعين قضيتهما فى العاصمة السورية دمشق لم يكن حديث كل من التقيت بهم يخرج عن إطار الضغوط الأميركية على سوريا وأهدافها وأبعادها، والتغيرات المرتقبة فى كل من سوريا ولبنان تحديدا بعد العراق، وقد جاءت زيارة وزير الخارجية الأميركى كولن باول لكلا البلدين ليتوج بها حلقات متواصلة من التهديدات الأميركية بدأت بشكل ضاغط قبيل انتهاء الحرب فى العراق شارك فيها كل من الرئيس الأميركى ووزير الدفاع ومستشارة الأمن القومى وباول أى أعلى المستويات فى الأدارة الأميركية، كذلك سربت معلومات كثيرة عبر مراكز الأبحاث والدراسات الغربية المرتبطة عادة بمراكز صناعة القرار، وكذلك دبلوماسيين وكتاب غربيين تشير إلى أن سوريا ستكون الهدف التالى بعد العراق. وبعد هدوء مشوب بالحذر اتضح أن الضغوط الأميركية لها أهداف عديدة ليس من بينها دون شك عمل أى تغييرات على نظام الحكم فى دمشق فى هذه المرحلة، كذلك لا يدخل فى إطارها أى إلحاح على أصلاحات داخلية، فالرئيس بشار الأسد مقبول غربيا لكن سياسة سوريا الخارجية لاسيما تجاه الصراع العربى الأسرائيلى واستخدام ورقة المقاومة سواء الفلسطينية عبر مكاتب الفصائل المعارضة للتسوية وقادتها المقيمين فى دمشق، أو اللبنانية عبر دعم حزب الله تعتبر من عناصر القلق لدى الولايات المتحدة والحكومات الغربية الداعمة لإسرائيل بشكل عام، ومع سعى الولايات المتحدة لترتيب أوراق إسرائيل لاسيما أمنها سيبقى عنصر المقاومة الفلسطينية واللبنانية من أكبر عناصر القلق للولايات المتحدة وإسرائيل، وإذا كانت الدول العربية الأخرى قد وقعت اتفاقيات تضمن بها أمن إسرائيل فينبغى أن تدخل سوريا ولبنان فى هذه الدائرة لذلك رغم إدراك أميركا التام بارتباط الملف اللبنانى بالسورى إلا أن باول حرص على أن يقوم بزيارة مستقلة للبنان تحمل دلالات كثيرة، ومع أن هذا الملف كان هو الأبرز إعلاميا لكن هناك ملف أهم كان وراء الهجوم الأميركيى القوى على سوريا من قبل أعلى المرجعيات الأميركية وهو ملف العراق، ولعلنا نذكر أن وزير الدفاع الأميركى تحديدا كان هجومه على سوريا مقرونا بإيران قبيل انتهاء الحرب لأن الهاجس الذى يقلق الأميركيين ويخيفهم بشكل كبير ليس القضية الفلسطينية التى مضى على أزمتها خمسة وخمسون عاما ويمكن أن تعيش مثلهم دون حل، لكن الهاجس الأكبر كان هو المقاومة العراقية المرتقبة للقوات الأميركية المحتلة الآن للعراق، فقد سقطت العراق فى أيدى الأميركيين فى نصر دون حرب أو خسائر حقيقية، وتبقى المخاوف من مقاومة عراقية مستقبلية يمكن أن تسبب أذى وخسائر حقيقية لدى الأميركيين هى العنصر الأكثر اهتماما، وكل مقاومة بحاجة إلى دعم لوجستى ومناطق حماية خلفية، ومراكز انطلاق، وتعتبر سوريا وإيران هى المرشح الأساسى لذلك، فالحدود على كلا الجانبين يصعب السيطرة عليها مع تداخل عرقى وقبلى فى سوريا ومساحات حدودية واسعة فى إيران، يمكن أن تشكل منطلقا لمقاومة قوية، كما أن إيران حرصت على ألا تكون طرفا فى أى مواجهة مع أميركا انتظارا لما سوف تسفرعنه المخططات الأميركية، فالشيعة فى جنوب العراق يشكلون امتدادا طبيعيا يمكن أن تشعل من خلاله إيران مقاومة أشبه بمقاومة حزب الله فى جنوب لبنان وسيكون من الصعب على القوات الأميركية مهما بلغت طاقتها أن تلاحق المقاومين لاسيما إذا اتخذوا من مستنقعات شط العرب ملاذا ومنطلقا لعملياتهم، تلك المستنقعات التى فشل صدام بمساعدة أميركية من السيطرة عليها طوال سنوات الحرب العراقية الايرانية بسبب ضحالة المياه وارتفاع الغاب الذى يساعد على الاختباء، أما سوريا فحدودها مع العراق مختلطة عرقيا مع قبائل المنطقة وقد لاحظت أن سكان المناطق الحدودية السورية من الصعب تمييز لهجتهم عن اللهجة العراقية، وطالما أن القبيلة والعشيرة مازالت تلعب دورا فى التركيية الاجتماعية فى هذه المناطق، فإن سلطة الدولة تخف وتكون سلطة العشيرة هى الأقوى وهذا ما تحاول أميركا أن تلعب عليه الآن فى العراق. إذن فالمخاوف الاميركية الحقيقية من سوريا ليست من جانب الفصائل الفلسطينية وحزب الله فى هذه المرحلة بقدر ما هى مخاوف من مقاومة عراقية تتخذ من الاراضى السورية قاعدة خلفية لها، إن مخاوف أميركا كبيرة من مستقبل مجهول يمكن أن يشوش أو يدمر مخططاتها وبقاءها فى العراق اسمه المقاومة. ـ كاتب وإعلامي مصري