القوم الذين يؤمنون بنصرهم ـ بقلم: د. علي عقلة عرسان

الاثنين 11 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 12 مايو 2003 ان البشرية تخرج من حالة غباء لتدخل في أخرى من دون معنى ومن دون فهم عميق لدروس التاريخ، حين تنساق وراء القوة المتوحشة العمياء والعنصرية البغيضة، والغوغائية القتّالة. عجيب وضع البشر من هذه الزاوية وعجيب بشكل أشد سكوت الجماهير وانصياعها بل انسياقها وراء من يقودونها أو يسوقونها الى الموت من أجل أهداف وغايات شخصية وتحت شعارات عاطفية أو عدوانية أو مادية وتسلطية لا يقرها الانسان العاقل في الظروف الطبيعية، ولكن توظيف الشعار العام في اطار الانفعال العاطفي العارم يؤدي الى ما هو أسوأ من السوء. ما السر في كون الانسان ضمن الجماعة وتحت ضغط الشعارات يفقد الكثير من خصوصيته العقلية ورؤيته الثاقبة ومعاييره الانسانية العظيمة؟! في بعض اللحظات يساورني الشك بقدرة الثقافة على تحقيق نقلة نوعية عميقة في التكوين البشري الذي يتكشف عن جوانب وحشية غريزية وهمجية وغير منطقية أو غير عقلانية في حالات كثيرة. عصر القوة المتوحشة الانسان في عصر القوة المتوحشة العمياء المنفلتة من كل قيد خُلُقي أو عقلاني أو قانوني، وفي مدِّ العنصرية التي لا يردعها رادع من أي نوع وهي تتلذذ بالبطش في ذروة نشوتها بسفك الدم البشري وتذوقه في فطير صهيون أو من دونه، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام صور من وحشيته سواء تجلت في ذاته أو في سواه، منه أو من سواه، كما يجد نفسه أمام مفترق مواقف ومخاوف وأسئلة وخيارات، عليه أن يتوقف عندها ليسأل نفسه وسواه: على أي أساس ووفق أي معيار يكون الاختيار لكي أختار. وأية طريق أسلك لكي أصل الى انسجام بين الاختيار والضمير والسلوك ليكون في ذلك وفي العمل به سلم وكرامة وحياة واستقرار لي ولسواي ممن لهم مثلي حق في الحياة وحقوق في الحياة؟! ويرتبك المرء أشد ارتباك وهو أمام القوة التي تصنع قانوناً وتفرضه وتجبر الآخرين على اتباعه، معيدة شريعة الغاب الى عالم دفع الكثير لكي يتجاوزها، واضعة أحكام الشرائع وقيمها وتعاليمها وراء ظهرها متقدمة في طريق الدم والموت مرتدية قناع من يصنع الحياة والعدل والحضارة. كما يجد نفسه أمام فكر يخدم همجية القوة المتوحشة والعنصرية المتغطرسة ويزين فعلها ومنطقها، وأمام كلمة تروّج العار والاستعمار ووحدانية صاحب الحكم والقرار اذا ملك قوة بطاشة وصار ملكها، وتراها تدافع عن العدوان والقتل والدمار بمنطق تفرضه القوة وترفضه الحكمة وسلامة العقل والمحاكمة والوجدان؟! ويجد الانسان نفسه أيضاً أمام عدالة تنتقل من العرج الى عدم القدرة على المشي، وحرية تعرج من فضاء الرؤية الرحبة الى قفص مزين ومحروس بالسلاح، وأمام دول تختار السكوت على مجرد الصياح احتجاجاً على استباحة ما لا ينبغي أن يستباح من قوانين وأعراف وقيم، وأمام مصالح تحيل العالم الى مستنقع فيه عقدة أفاع تتصارع بوحشية حتى النهاية. فما الذي يختاره المرء وما الذي يتركه، وعلى أي أساس يكون الاختيار؟! والقوة المنفلتة من كل قيد التي تحيل العالم الى مستنقع تجعلك أمام منطقها وممارساتها وحقيقتها وضرورتها وأمام واقع قد ترفضه ولكن ليس لك الا أن تتعامل معه؟! كيف ترد على ذلك؟ كيف تنظر اليه؟ كيف تصل الى توازن في مجالات هبوب رياحه، وكيف تعمل من أجل ألا تسقط في مستنقعه؟ ان القوة التي يمكن أن توازن القوة مدخل مشروع ومطلوب للجميع. وقديماً في الغابة كان لكل شخص القدرة على أن يدافع بالحجر والعصا وقوة الذراع عن نفسه وعن وحشيته في الوقت ذاته. ولكن حين خرجنا من واحة الغابة الى جحيم الحضارة أصبح القوي يجبر الضعيف على نزع كل سلاح، ويتهمه اذا حاول الحصول على أي سلاح يدافع به عن نفسه ضد القوة العاتية التي تجتاح حياته ووجوده وحقوقه ومصالحه! وفي عصر القوة أمام الانسان حالات في التعامل مع القوة هي شبه مستمدة من قانون الغاب الى القانون الأميركي. اذا كانت لديك أسلحة متقدمة وامكانيات مادية كبيرة تشفعها ولم تكن لك قضية عادلة، ولا ارادة قتال، ولا ايمان بما يطلب اليك أن تقاتل من أجله، فانك اما أن تندفع نحو خيار القتال تحت اغراء ما يوفره لك من فرص التفوق والغنيمة وتغلب عليك غريزة الوحش، واما أن تترك هذا الخيار اذا كانت لك حرية الاختيار وتجلس في صف الضعفاء الذين ينتظرون الموت وحكم القوي به، أو تجبر على القتال اذا كنت تحت وقع قوة ذات قانون أو قانون ذي قوة لا تستطيع لقوتهما دفعاً، أو أن تختار القتل والقتال مهنة وتنقلب الى مرتزق يخوض حرباً طمعاً بأجر وغنيمة أو عازف عن خوض القتال رغم قوة السلاح نتيجة قناعات معينة تقودك الى زهد في الحياة واحتكام لأهلها وانصياع لهم في كل شيء. أما حالة الوحش البشري الذي يقتل لمتعة القتل والتفوق فليست هي الحالة البشرية السوية التي يمكن اعتبارها أنموذجاً يقاس عليه وقاعدة يقاس عليها. فهناك بشر كثيرون تجاوزوا تلك الحالة بالايمان والمعرفة والحكمة، ولكن من يدمنون تلك الحالة الوحشية لا يتركون لهم فرصة العيش بأمن وسلام ضمن دائرة الحرية والكرامة وصيانة الحقوق. واذا كان في قلبك ايمان كبير بالله والوطن، وبالحق الذي تدافع عنه والقضية التي تنذر نفسك لها ولم يكن لديك قوة مادية وليس بيدك السلاح، فان مواجهتك تحتاج الى حسابات من نوع خاص، وايمانك ينبغي أن يقودك الى وعي أكبر بأهمية الأداة التي تستعملها لتدافع عن نفسك وتحقق هدفك. والطاقة الروحية مهما كبرت وسمت في هذه الحالة تحتاج الى سلاح المادة وسلاح من مادة فاعلة ما. استعمار نوعي في حالتنا مع القوة الغاشمة والعنصرية المنفلتة من كل قيد، نحن أمام بطش القوة وتهديدها. أمام احتلال دموي. واستعمار نوعي، وأشكال من تعاون بعض أهل الدار مع العنصرية والاستعمار. وتواجهنا عملياً قضية تحرير الأرض من الاحتلال، وتحرير الارادة من التبعية. نحن أمام مواجهة مع العملاء الذين سيتكاثرون هنا وهناك ويشكلون قناعاً للاستعمار ويدخلوننا في دوامة كلامية اعلامية جديدة تنظر للاحتلال نظرة المحرر وتدعونا للانصراف عن امتلاك القيمة، والى العمل وفق مناهج تفكير وتعبير وتربية وتعليم تنسينا تاريخنا وقضايانا وهويتنا ومن نحن، لكي نتلاءم مع خطط الصهيونية ومطالبها ومشروعها الاستعماري الذي يتداخل عضوياً مع المصالح الأميركية وسياستها الرامية الى السيطرة على ثروات المنطقة واعادة النظر بتكوينها السياسي وثقافتها وجعلها تسير وفق «خريطة طرق» افنائها ؟! اننا سنواجه مرحلة خطيرة وشديدة من التضليل والافتراء والتشويه. وسوف يتهم كل وطني حق وكل قومي وكل مسلم صحيح العقيدة بأنه سبب المشاكل المآسي والكوارث التي ألحقها ويمكن أن يلحقها الاستعمار والصهاينة بالمنطقة وبالأمة العربية لأن أولئك لم يستسلموا، وهو المطلوب منهم والمطلوب من كل شخص سواهم، في وطن يجب أن يغير كل مواصفاته وتوجهاته وثوابته ومبادئه ليتلاءم مع ما يطلبه منه الاستعمار الجديد وما يُرضي الصهاينة عنه. وسوف يدخلوننا في منعرجين: أحدهما التعتيم على كل فكر حر مستقل يعلي شأن الوطن والعروبة والاسلام ويرفض التبعية والاستعمار والاستسلام، والثاني يلاحَق فيه كل صاحب مبدأ وخلق وقيم وانتماء في هذا الوطن، لأن المرحلة التي ترافق انتصار الاستعمار وطفو العملاء وقيمهم ومعاييرهم وأحكامهم على السطح السياسي والاجتماعي تعادي حكماً أصحاب المبدأ والرؤية المغايرة والقضية المصيرية، وتبحث عن قادرين على الكلام والتحرك والتصرف حسب الطلب. المرحلة القادمة سوف تدفن الدم ورائحته والدمار وآثاره بزوابع من الكلام والشعارات ونهب الأموال والثروات تحت ستار اعادة الاعمار واعادة التكوين و«دمقرطة المجتمع». المأساة الأعمق ستكون في صفوفنا ومن أنفسنا بسبب جراح أيدينا وأيدي المتعاونين منا مع الصهيونية والاستعمار تحت ألف ذريعة وستار. ستزين لنا وجوه باعطائها بعض الفتات وانجاز حلول كئيبة وبائسة لقضايا مصيرية تتم تصفيتها على يديها، وتقدّم لنا على أنها جالبة النصر والعمران والحرية والتقدم الديموقراطية. لقد بدأ كرنفال تجار السياسة والثقافة المهطعين تحت أقدام ثقافة غازية سلبتهم كل شيء حتى الرؤية السليمة للقيمة والمنطق، وسخرتهم ضد أمتهم وضد أنفسهم، وأخذت تدمر هويتهم ومقومات شخصيتهم وعقيدتهم بأيديهم. حالة انتحار أشعر بحزن عميق لأن السياسة والثقافة العربيتين سوف تدخلان في متاهات المواجهة والنزاع من جديد وبشكل مكشوف، وسوف نحصد الزؤان بعدما عشنا على أمل حصاد الحنطة في حقول الغد. نحن على مشارف مأساة من نوع مبهرَج نقتل فيها قيمنا بحثاً عن قيم أفضل وحياة أجمل. نحن أمام حالة انتحار مجمَّلة بكثير من الأقنعة واللافتات. نحن أمام مجموعات من الدجالين يتقدمون بصفة منقذين ويزينهم الاستعمار ويدافع عنهم ويزودهم بالسلاح. كل أنواع السلاح لقتل الآخرين في الوطن وقتل ارادة الوطن. هناك أناس يعميهم حقدهم عن الرؤية، ويعميهم مرضهم الداخلي عن الانصاف. انهم من ذلك النوع الذي فقد روحه والحس السليم، ومن ذلك النوع الذي يطالب بأن يكون هو وحده وألا يكون في الأرض سواه. كان الله في عون الوطن العربي اذا حكمه وتحكم به الأميركيون والصهاينة، كان الله في عون الأمهات والآباء والأطفال والنساء. كان الله في عون الدم العربي الذي يرتجف من بعيد على مدى الاستشعار النماذج القادمة اليه. الدم يغذي الدم. الدم ينادي الدم. الدم يطلب الدم، ومن يعش حالة مثل هذه عليه أن يتوقع ما ينتج عن معايشة القوة المتوحشة ومصاصي الدماء. لأن الكون ليس في دائرة الرؤية عند من لا يرى سوى ذاته، الكون ليس في دائرة الرؤية عند من يعيش حالة رهيبة من مرض الأنانية. الكون ليس في دائرة الرؤية عند من لا يرى الا من دائرة حقده. الكون أعمى بنظر الأعمى والكون بصير بنظر البصير. من قال ان الحياة في أرض البشر يمكن أن يكون لها طعم حين يتلوث البشر روحياً ويفسدون من الأعماق. ومن قال ان الانسان سيبقى قادراً على امتلاك شيء ذي قيمة عندما يتجرد الناس من حوله من كل قيمة، ومن قال ان الحياة تصبح مقبولة على أي شكل من الأشكال اذا كان كل ما فيها مختل القيمة والبنية والمعيار!؟ أستشعر حالة من الأسى تنعكس في كلامي. لأنني أستشعر موتاً للروح والحضارة يشيعه الأميركي والصهاينة وأتباعهم من حولي. موت يراد له أن يتجذَّر في بيئة ترفضه. موت يلف الأرض ويتعرج في المدى ليشكل معارج الى السماء، والانسان الوحش فيما يبدو قد ملك قدرة التفنن في صنع أشكال ابداعية في مجالي الجريمة والموت والتعتيم على الموت والجريمة. هناك من يريد أن يجعل السيطرة الأميركية في وطن العرب غائرة في الجلد والقلب والعقل ولا يريد لها أن تظهر على السطح . ولكن الهيمنة المباشرة على أي حكومة وبلد وقرار لا بد من أن تبرز في تربة الاحتلال. حرية الوطن ومن أجل غد عربي أفضل، ووعي عربي أشمل، وانسان عربي أصلب، ينبغي ألا ينسى الشارع العربي ما الذي فعلته القوة الغازية الأميركية والبريطانية به، سواء أكان ذلك في فلسطين أو في لبنان أو في العراق. العربي ينبغي ألا ينسى وألا تختطَف منه ذاكرته أو تشوه أو تبقر كالقربة ويضيع محتواها على طريق الآلام بعد أيام وشهور وسنين. بل العكس هو المطلوب وما ينبغي أن نعمل عليه بجدية وعزم شديدين: أي أن يتكثف المعرفة والخبرة والغضب فعلاً مقاوماً ومحرراً، وأن تنشط الجموع في أطر منظمة ليكون لغضبها معنى الفعل المنقذ، ولكي تحول الخلافات العربية الى وفاق واتفاق وخنادق مشتركة يقتضيها الدفاع عن النفس والحق والهوية والدين والأرض والكرامة والمصالح والحقوق. علينا أن نكثف الوعي ونجسده عملاً منقذاً، وعلينا أن نكون جسور تواصل بين الأمة وقواها. وبين ليلها وضحاها وبين أمسها وغدها. والا فقدنا الرؤية السليمة وتاهت أقدامنا عن طرقنا وغرقنا في رمال التيه وبحار الألم والاحباط. فلننهض اليوم والآن من أجل الأمة ومن أجل الحق والحرية والتحرير. ان الحرب على الاستعمار من أجل حرية الوطن واستعادة السيادة قد بدأت. الاستعمار لا يحرر ولا يوحد وعملاؤه ليس سوى أنموذج السوء. الاستعمار يجب أن يزول، والصهاينة رجس الزمن والتاريخ وينبغي أن توجه اليهم رؤوس الحراب أولاً لأننا اما أن نواجه حرب الصهاينة على العروبة والاسلام أو نجد أننا في طرق تؤدي الى تلاقي مصالح وسكاكين على جثة العرب والمسلمين أجمعين. اللهم هبنا من لدنك قدرة على التبصر والتذكر والتدبر لنكون نحن. نحن، ولنحقق ما هو في مصلحة الأمة والانسانية، فنحن لا نريد سوى الحق والخير لنا ولسوانا. واجعلنا من الذين يؤمنون بنصرك لهم ويعملون على انتصار الحق بهم. ـ رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات