الاثنين 11 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 12 مايو 2003 جورج بوش الرئيس الأميركي أحرج العرب قبل يومين في خطابه أمام طلبة جامعة ساوث كارولينا عندما ذكر ان الدخل القومي السنوي لأسبانيا يزيد على انتاج العرب مجتمعين. هذه حقيقة احصائية معروفة، ولكن ان يذكرها بوش أمام الطلبة، والعالم بأسره يتابع خطابه حول تصوره لمستقبل الشرق الأوسط تشير الى دلالة واضحة وهي ان العرب غير قادرين على تطوير أنفسهم وهم بحاجة لمساعدة أميركا. حقيقة محرجة للقيادات والشعوب العربية، ويبدو فعلاً ان العرب بحاجة لأن تدفعهم الولايات المتحدة إلى الأمام، ولكن لماذا العرب وليس الشعوب الأفريقية التي هي بوضع أسوأ من العرب؟ هذا الاصرار الأميركي للتدخل في مجريات الأمور في الشرق الأوسط وفرض تغييرات على دوله يأتي ضمن ثلاثة اطارات محددة: أولها ضمان وتعزيز أمن واستقرار الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي، وذلك جزء من الارتباط الاميركي الصهيوني وتلاقي مصالح الطرفين. فالتغلغل الصهيوني في أوردة السياسة الأميركية نجح ومنذ زمن بعيد في فرض وربط سياسات واشنطن بالمصالح الاسرائيلية. ولذلك فإن ظهور قوة عسكرية بارزة لأي دولة عربية تقع تحت تصنيف الدول «المعادية» يمثل تهديداً استراتيجياً لوجود الكيان الاسرائيلي. وفي هذا الاطار تعمل الادارة الأميركية وأي صفقة عسكرية بين أميركا ودولة عربية تمر تحت مجهر ضمان التفوق العسكري الاسرائيلي. والادارات الأميركية المتعاقبة حرصت باستمرار على هذا الجانب، والأمر ليس سراً، حيث أن المسئولين الأميركيين يصرحون بذلك علانية، وهو ركيزة أساسية في سياسة أميركا الخارجية للتعامل مع المنطقة والتزام تجاه الكيان الاسرائيلي. وخير دليل على ذلك الموقف الأميركي الرافض بقوة لأسلحة الدمار الشامل في المنطقة مع استثناء اسرائيل. أما الإطار الثاني فيتعلق بضمان التفوق الأميركي المطلق واستمرار منهج القطب الواحد في الساحة السياسية الدولية. فالهيمنة على منطقة الشرق الأوسط تخدم تماماً هذا التوجه الأميركي. فالمنطقة تمثل بطاقة ضمان للمصالح الاقتصادية الاميركية المرتبطة بالذهب الأسود. الوجود الأميركي في المنطقة يهدف لضمان استمرار تدفق النفط للسوق الأميركي بأسعار مقبولة لا تمثل حملاً ثقيلاً على دافعي الضرائب والشركات العملاقة. إن التفوق العسكري لابد أن يرادفه تفوق اقتصادي، ومع تحقيق ذلك، يمكن لأميركا مواجهة قوى دولية صاعدة أو محتملة اقتصادياً وعسكرياً مثل الصين أو الاتحاد الأوروبي أو «أوروبا القديمة». الإطار الثالث والأخير يأخذ نموذج الحرب الباردة، فالولايات المتحدة اليوم تخوض الحرب الباردة الثانية في مواجهة الفكر الاصولي المتشدد الذي تضعه أميركا تحت تصنيف «الارهاب» على غرار مواجهة الفكر الشيوعي، فالحرب الباردة كانت في مواجهة الشيوعية المتمثلة في الاتحاد السوفييتي، أما الحرب الباردة الثانية فطرفاها أميركا وحلفاؤها مقابل الأصولية «الارهاب» التي لا تتخذ شكل دولة معينة، وإنما تنظيمات وبيئة مولدة للعنف والارهاب. فالولايات المتحدة تسعى لاجتثاث الارهاب عبر محاصرة الفكر الاصولي المتطرف الذي يعتمد العنف كوسيلة لمواجهة الغرب. وما حدث في العراق شبيه بأزمة الصواريخ السوفييتية في كوبا في الستينيات خلال حكم الرئيس الأميركي جون كيندي. وكان الاختلاف في التعامل مع الأزمتين هو تغيير العقيدة العسكرية الأميركية التي أصبحت اليوم تعتمد على مبدأ الضربات الوقائية في مواجهة التهديدات المحتملة. إن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تخوض حرباً ضد العالم الاسلامي، ولكنها «تعالج» منطقة تلو الأخرى وفقاً لنسبة التهديدات والمخاطر التي يمكن أن تمثل تهديداً لها. والحالة بين دمشق وواشنطن تسير وفقاً لهذه النظرة. أميركا قادرة على تحقيق مطالبها من سوريا أو الحد الأدنى لفترة مؤقتة، وعندما تحين الفرصة يمكن أن يكون التدخل العسكري بشن حرب على سوريا مرجحاً إذا ازدادت نسبة المخاطر مع تحقيق تقدم في عملية السلام لتكون سوريا معزولة تماماً كما حدث مع العراق وعزله بعد غزو الكويت. وفي هذا الاطار تعمل أميركا على معالجة «الارهاب» بعمليات جراحية لاستئصال الاجزاء المصابة، ولكن دون التخلي عن خيار البتر، كما حصل في العراق. إن خطط الضغوط الأميركية على دول المنطقة نحو الانفتاح والديمقراطية تأتي ضمن اطار الحرب الباردة الثانية لمكافحة الارهاب والفكر المتشدد الذي ولد تنظيم القاعدة. أميركا ليست في حقيقة الأمر معنية بحرية شعوب المنطقة، ولكن الأمر مجرد مصادفة مدروسة تتلاقى فيها مصالح أميركا وحربها على الارهاب مع تطلعات الشعب العربي نحو الديمقراطية والحرية والعدالة. انه من الضروري معرفة وفهم النوايا الأميركية تجاه المنطقة حتى يمكن للطرفين تحقيق مصالح مشتركة تؤدي في نهاية الأمر إلى تعايش سلمي بين الشعوب رغم اختلاف الحضارات والثقافات والأديان وسد الطريق أمام البعض لتحقيق مصالح خاصة وذاتية باستغلال الطرفين وعلى حساب الآخرين. btesam@albayan.co.ae