استراحة البيان ـ من الذي حرك قطعة الجبن الخاصة بي ؟ ـ يكتبها اليوم: علي عبيد

الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 الكتاب يقرأ من عنوانه، هكذا يقال، وعنوان هذا الكتاب بقدر ما فيه من الطرافة فهو يقدم طريقة مدهشة للتعامل مع التغيير الذي يحدث في عملك، وفي حياتك، كما يشير إلى ذلك غلافه. مؤلفه هو الدكتور سبنسر جونسون الذي يعد مؤلفاً لأكثر الكتب مبيعاً على مستوى العالم، والذي يشير الكتاب إلى أن مؤلفاته ساعدت وما زالت تساعد الملايين على اكتشاف الحقائق البسيطة التي يمكن استخدامها ليعيشوا حياة أكثر صحة ونجاحاً وأقل ضغوطاً. وهناك ما يزيد على أحد عشر مليون نسخة من مؤلفاته في الأسواق بست وعشرين لغة. وهو صاحب فكرة ومؤلف مشارك في كتاب «مدير الدقيقة الواحدة» الذي يعد أكثر الكتب مبيعاً وأفضل أساليب الإدارة شيوعاً في العالم. «من الذي حرك قطعة الجبن الخاصة بي؟» حكاية رمزية ذات مغزى أخلاقي، تكشف أعمق الحقائق حول التغيير. وهي قصة تنويرية مسلية، أبطالها أربعة يعيشون في متاهة، ويبحثون عن قطع الجبن التي تمدهم بالغذاء، وبالسعادة أيضاً. إثنان منهم فأران يطلق عليهما «سنيف» و «سكوري» والإثنان الآخران قزمان في حجم الفئران، ولكنهما يبدوان ويتصرفان كالبشر، ويدعيان «هيم» و «هاو». والجبن ما هو إلا استعارة مجازية عما تريد أن تحققه في حياتك، سواء أكان وظيفة مرموقة، أو علاقة حب، أو مالاً، أو مركزاً، أو صحة جيدة، أو شهادة دراسية، أو سلام العقل والروح. أما المتاهة فهي مجاز عن المكان الذي تبحث فيه عما تريد، كالمؤسسة التي تعمل بها، أو العائلة، أو المجتمع الذي تعيش فيه، فهي الحياة بأشكالها المختلفة. يواجه أبطال القصة تغيرات غير متوقعة، يفشل بعضهم في التعامل مع هذه التغيرات، وينجح بعضهم الآخر في التعامل معها بطرق مختلفة، ويكتب أحدهم ما تعلمه من هذه التجربة على جدران المتاهة. وعندما تقرأ ما كتب على تلك الجدران تكتشف بنفسك كيف يمكنك التعامل مع التغيير، حينها يمكنك أن تستمتع بحياتك، وتقلل من الضغوط الواقعة عليك، وتحقق المزيد من النجاح (في أي مجال يروقك) سواء في عملك أو حياتك. هكذا يلخص الكتاب القصة التي يقول إنها كتبت لجميع الأعمار، ويمكنك قراءتها في ساعة واحدة (أو أقل من ذلك) ولكن البصيرة النافذة والفريدة التي تحتوي عليها ستلازم ذاكرتك مدى العمر. يقول المستشار الإداري د. كينيث بلانشارد في تقديمه للكتاب تحت عنوان «قصة وراءها قصة»: (صدّق أو لا تصدّق، إن لهذه القصة الفضل في إنقاذ زيجات ووظائف، بل وأرواح بشر! يذكر لنا تشارلي جونز ـ المذيع الشهير بتلفزيون إن. بي. سي ـ أحد أمثلة الحياة الواقعية العديدة التي تثبت أن سماعه لهذه القصة قد أنقذ وظيفته، فوظيفته كمذيع وظيفة فريدة، ولكن المباديء التي استقاها تصلح لأي شخص. كان تشارلي يعمل بجد، وكان بارعاً في إذاعته أحداث ألعاب الأولمبياد، وخاصة مسابقات ألعاب القوى، ولذلك انتابته الدهشة، وانزعج عندما سمع رئيسه في العمل يخبره أنه لن يذيع هذه المباريات الرياضية في الأولمبياد القادمة، حيث تقرر له إذاعة مباريات السباحة والغوص. ولعدم معرفته العميقة بهاتين الرياضتين أصابه الإحباط، وشعر بأنه غير مرغوب فيه، وتملكه الغضب، وقال إنه شعر بأن ذلك الأمر غير عادل! وطغى غضبه على كل شيء وأثّر على عمله. عندئذ سمع عن هذه القصة. وبعد أن قرأها قال إنه ضحك على ما كان يفعل، وغيّر موقفه، حيث أدرك أن رئيسه قد حرك قطعته من الجبن، وهكذا تكيف مع الموقف الجديد، وتعلم الرياضتين الجديدتين، وأثناء تعلمه، وجد أن القيام بشيء جديد يشعره بصغر السن. ولم يمرّ وقت طويل حتى أدرك رئيسه موقفه الجديد وطاقته في العمل، وسرعان ما تولى أعمالاً أفضل، وأصبح يتمتع بنجاح أكبر مما كان عليه). يقسم المؤلف الكتاب إلى ثلاثة أقسام، يطلق على القسم الأول اسم «التجمع» حيث يجتمع عدد من الزملاء ممن كانوا في فصل دراسي واحد، ويحاولون التحدث عن التغييرات التي طرأت على حياة كل واحد منهم، وكيف تعامل معها. أما القسم الثاني فهو قلب الكتاب الذي أطلق عليه اسم «من الذي حرك قطعة الجبن الخاصة بي؟». وفي القسم الثالث منه تقوم المجموعة نفسها بعد الانتهاء من سماع القصة التي رواها لهم مايكل بإدارة نقاش حولها حيث يأخذون في التمازح فيما بينهم حول كيفية إيجاد الجبن الخاص بهم، وكيف أنهم وجدوا أنفسهم في هذه المتاهة المحيرة، ليسأل كل واحد منهم نفسه: أي الشخصيات كانت تمثله في القصة؟ سنيف، سكوري، هيم أم هاو؟ من الذي حرك قطعة الجبن الخاصة بي؟ سؤال يجب أن يطرحه كل واحد منا على نفسه بعد قراءة هذه القصة حيث سيجد نفسه فيها، فمن هو ذلك الإنسان الذي لم يصح ذات صباح ليجد أن هناك من حرك قطعة الجبن الخاصة به من مكانها؟! ولكن السؤال الأهم هو : كيف تصرف إزاء هذا الموقف الجديد الذي وجد نفسه فيه؟ وحدهم العاجزون والمحبطون والضعفاء وجدوا أنفسهم عاجزين عن التفكير، قابعين في أماكنهم، ينظرون في حيرة إلى المكان الذي أصبح خلواً من الجبن الخاص بهم، ليتيقنوا من حقيقة اختفاء الجبن، كما فوجيء هيم وهاو عندما وصلا في ذلك الصباح إلى محطة الجبن التي اعتادا أن يتزودا منها ليكتشفا عدم وجوده. أما الأقوياء الواثقون من أنفسهم فقد أدركوا في الحال أن قطع الجبن تتحرك باستمرار، وأن عليهم أن يكونوا مستعدين للتغيير عندما يتحرك الجبن، بل إنهم كانوا مستمتعين بالتغيير، واستذكروا على الفور العبارة التي صدر بها سبنسر جونسون كتابه آخذاً إياها من أقوال ا. ج. كرونين: «ليست الحياة مجرد ممر مستقيم يسهل الخوض داخله بحرية، بل هي متاهة يتعين علينا البحث داخلها عن طريقنا، وقد نضل الطريق، ونتخبط داخلها، وبين الحين والآخر ندخل في ممرات مسدودة. ولكن إذا كنا متمسكين بالإيمان، فسوف يفتح الله الباب أمامنا، وقد يكون هذا الباب غير ذلك الذي كنا نفكر فيه، ولكنه بالتأكيد هو الخير، كل الخير لنا». تحرك الجبن، أو تحريكه بفعل فاعل، رواية تحدث كل يوم وتتكرر أمام أعيننا، الفرق الوحيد فيها هو اختلاف الأبطال وأحجام قطع الجبن التي تتحرك من مكانها أو تختفي. أما جوهر الرواية فهو واحد، وعلينا جميعاً أن نكون مستعدين عندما يأتي الدور علينا، لا أن ننتظر حتى تحل الكارثة، فنهيم على وجوهنا في المتاهة، غير مصدقين ما حدث لنا، ولا مدركين أن علينا أن نبحث عن قطع جديدة، بدلاً من البكاء على القطع التي لن تعود إلى مكانها من تلقاء نفسها مهما ذرفنا من الدموع. aliobaid2000@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات