الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 إنها تمثيلية كوميدية.. لكنها أقرب الى فن الكوميديا السوداء. المسرح قاعة محكمة في نيويورك والبطل هو القاضي هارولد بير. القضية المرفوعة الى المحكمة هي دعوى تعويض من عائلتين اميركيتين فقدت كل منهما شخصا في انهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر عام 2001 ضمن ما يعرف باسم «أحداث سبتمبر». اما الجهة المطلوب منها ان تدفع التعويض ـ وهنا يتجلى فن الكوميديا السوداء ـ ليست أسامة بن لادن ولا تنظيم «القاعدة» وانما نظام صدام حسين في العراق! وتكتمل الكوميديا السوداء بما قدمه محامو العائلتين من «أدلة» لادانة الحكومة العراقية التي اختفت من مجرى التاريخ.. فالأدلة هي مجموعة تصريحات اعلامية! لقد حكم القاضي بير لصالح العائلتين.. ويبلغ مبلغ التعويض الذي امر به 104 ملايين دولار. ولكن اين الحكومة العراقية التي تقرر ان تتحمل مسئولية الدفع؟ هذا السؤال لم يغب عن ذهن القاضي.. ولذلك اهتدى الى حل: المبلغ يدفع من الأرصدة المالية العراقية التي قامت ادارة بوش بتجميدها قبل شن الحرب الأميركية على العراق. وعندما تطالع الحيثيات التي سطرها القاضي والمكونة من اكثر من 19 صفحة مطبوعة فإنك تتساءل مع نفسك عما اذا كان ما تقرأه هو فعلاً وثيقة قضائية ام تعليق سياسي على هامش الاخبار «فالاثباتات» التي بنيت عليها الحيثيات التي على اساسها اصدر الحكم عبارة عن تصريحات اعلامية مبنية على تكهنات وتخمينات. التصريح الاعلامي الاكبر تصريح قديم من مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق جيمس وولسي ادعى فيه ان احد الاشخاص المشتبه في انهم اختطفوا طائرات الركاب التي ضرب بها مركز التجارة سبق ان التقى مع دبلوماسي عراقي في العاصمة التشيكية براغ. ومن السياق الحاكم للمحاكمة ليس هناك اي ذكر لمحام يمثل الطرف الآخر في القضية؟ الحكومة العراقية. ويبدو ان اجراءات المحاكمة بدأت وانتهت دون ان يكون هناك حضور لمحامي دفاع.. والا لقام هذا المحامي بتذكير القاضي اولاً بأن الحكومة التشيكية نفت لاحقاً وقوع اللقاء المريب المشار إليه. ولنفترض ان اللقاء حصل فما هو الدليل على ان الامر موضوع ذلك اللقاء كان عملية تدمير مركز التجارة. وحتى لو ثبت ان الموضوع كان ذلك.. فما هو الدليل على ان ذلك الشخص المشتبه به شارك بالفعل عملياً في ضرب مبنى المركز. وفي حقيقة الامر انه حتى هذه اللحظة ـ اي لمدى 20 شهراً ـ لم تصدر اية ادانة قانونية عن تفجيرات سبتمبر بشأن اي شخص او اية جماعة.. لأنه ببساطة لم يقدم الى محاكمة حتى الآن اي احد ليواجه تهمة المشاركة المباشرة في عملية نسف مركز التجارة (أو مبنى وزارة الدفاع). ونعلم ان الادارة الاميركية، اذ وجهت اتهاماً الى صدام حسين بأن هناك «صلة» (لم توضح حتى الآن) بين الحكومة العراقية وتنظيم «القاعدة» من اجل تبرير شن الحرب على العراق فان واشنطن فشلت حتى هذه اللحظة في اثبات الصلة المزعومة واندلعت الحرب واسفرت في النهاية عن احتلال اميركي كامل للأراضي العراقية دون ان تعثر القوات الاميركية على دليل دامغ في هذا الشأن.. ونعلم الآن بعد مرور شهر من الاحتلال الاميركي ان السلطة الاحتلالية الاميركية تعتزم تقديم اركان النظام العراقي السابق الى محاكمات.. لكن، ويا للعجب، ليس من بين الاتهامات التي سوف توجه الى كل منهم اي اتهام بشأن صلة بين النظام و«القاعدة». ما جرى اذن في المحكمة النيويوركية على يد القاضي هارولد بير يعطينا احدث مثال لفساد النظام القضائي في الولايات المتحدة. ان اهم ركن من أركان النظام الديمقراطي في أية دولة تأخذ بالديمقراطية التعددية هو قضاء مستقل.. وهذا ما لا يتوفر في النظام الاميركي.. فالقضاة في الولايات المتحدة ابعد ما يكونون عن الاستقلالية والحياد لأنهم مدينون في تعيينهم الى السلطة السياسية التنفيذية.. وفقاً للنظام السياسي الاميركي يحق لأي رئيس جمهورية عند وصوله السلطة تسريح طاقم القضاة واستبدالهم بقضاة من بين أنصار حزبه. وهذا هو مغزى الكوميديا السوداء التي لعب دور البطولة فيها القاضي هارولد بير.