الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 يبدو أننا كعرب وكأمة على موعد دائم لا ينتهي مع الأحزان فمن نكبة إلى نكبة ومن هزيمة إلى أخرى وكأنها سحابة صيف ثقيلة لازمتنا ولا تريد أن تغادر سماءنا فتعود صافية من جديد فبعد أن وقع العراق أسيراً في يد قوات الاحتلال الأنجلو سكسوني وبعد أن سقطت بغداد حاضرة العواصم ومدينة الدولة العباسية، وأهم مدينة في تاريخ الحضارة الإسلامية فريسة سهلة دون مقاومة تذكر بعد أنباء ترددت عن صفقة قام بها بعض رجال الجيش العراقي مع الأميركان لتسليم المدينة وبعد أن استحوذ الهم العراقي على قلب الأمة توارت في الفترة الماضية أخبار القضية الفلسطينية بعض الوقت وأصبحت في المرتبة التالية بعد أن كانت القضية الأولى والهم الشاغل للعرب منذ قيام دولة الكيان الصهيوني كحقيقة واقعة على الأرض الفلسطينية في عام 1948م وذلك حينما أدركت الدول الاستعمارية آنذاك أن زمن الاستعمار أوشك على الزوال وأن العالم مقبل على مرحلة جديدة من التحرر الوطني فأرادوا زرع شوكة دامية في قلب الأمة لتكون عونا لهم ومندوباً دائماً في المنطقة، والآن عادت القضية الفلسطينية لتحتل مكانتها من جديد بنفس القدر والأهمية التي تحظى بها القضية العراقية على السطح بعد أن استقر الاحتلال كأمر واقع في العراق. والآن يبدو أننا مع هم آخر ينتظرنا على الجانب الفلسطيني وكأن المجازر اليومية التي يرتكبها السفاح ومجرم الحرب شارون وعصابته الليكودية المتطرفة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل منذ اندلاع الانتفاضة التي فجرتها زيارة شارون للحرم القدسي في أكتوبر عام 2000م باتفاق مع باراك رئيس الوزراء الصهيوني حينذاك تلك الانتفاضة التي راح ضحيتها ما يقرب من ثلاثة آلاف شهيد فلسطيني حتى الآن وأكثر من عشرة آلاف جريح غير كاف فكانت الضغوط الأميركية الصهيونية لتشكيل حكومة فلسطينية جديدة وتعيين رئيس وزراء جديد في إطار إجراء إصلاحات في السلطة الفلسطينية بناء على طلب اليهود الذين أعلنوا أن ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية لا يمكن التعامل معه واضطر عرفات في سلسلة من التنازلات المستمرة تحت تهديد وحصار مستمر أن يعين محمود عباس (ابو مازن) رئيسا للوزارة بناء على رغبة واشنطن وتل أبيب اللتين رفضتا عددا من الشخصيات الأخرى طرحها أبو عمار لشغل المنصب الجديد، وفي أثناء تشكيل الحكومة الجديدة حدثت مشادات بين عرفات ومحمود عباس نتيجة اعتراض عرفات على بعض الشخصيات وخصوصا العقيد محمد دحلان الذي رشحه أبو مازن وزيرا للداخلية وانتهى الموقف بعد وساطة مصرية بتنصيب دحلان وزير دولة للشئون الداخلية واحتفاظ أبو مازن بمنصب وزير الداخلية وأخيرا أعلن أن دحلان سيقوم بمهام وزير الداخلية..! وقد أعلنت واشنطن ترحيبها بالحكومة الفلسطينية الجديدة وأعلنت أنها ستعمل على البدء في تنفيذ خريطة الطريق التي سلمت بالفعل إلى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي فسلم وفد اللجنة الرباعية نص الخريطة إلى أبو مازن برام الله وسلم السفير الأميركي لدى تل أبيب نص الخريطة لشارون بالقدس في مغزى لا يخفى على أحد وهو إصرار إسرائيل على إخراج الطرف الأوروبي والروسي من القضية حتى تنفرد بالفلسطينيين تحت الراية الأميركية التي تقف على طول الخط في الخندق الإسرائيلي. وقبل التسليم بوجهة النظر هذه يجب أن نذكر مجموعة حقائق على النحو التالي: أولا: أن الرئيس الأميركي الذي يعيش الآن زهوة النصر على العراق يستعد لدخول معركة انتخابية لفترة رئاسية ثانية يستميت للفوز بها من أجل إثبات جدارته بعد أن دخل البيت الأبيض بنتيجة مشكوك في صحتها في المرة الأولى بحكم محكمة وبالتأكيد لن يسعى لإغضاب اللوبي الصهيوني في أميركا الذين لهم دور كبير ومؤثر في نتائج الانتخابات والذين يحتل بعضهم مناصب مهمة في الإدارة الحالية وخصوصا في الصف الثاني أمثال نائب وزير الدفاع ولفوفيتز وريتشارد بيرل وغيرهم كما أن الإدارة الحالية ذات الميول اليمينية تساند إسرائيل وتتلاقى مع الرؤية الصهيونية في الأهداف ويكفي ثناء الرئيس الحالي بوش على شارون ووصفه بالصديق ورجل السلام. ثانيا: أن إسرائيل أعلنت أنها تتحفظ على خمسة عشر بندا على الخريطة وتريد إقصاء جميع الأطراف ما عدا الولايات المتحدة الأميركية ورفضت حضور مراقبين من غير أميركا، كما أعلنت أنه يجب على الفلسطينيين التنازل عن حق العودة للاجئين قبل بدء المفاوضات كما أن مسئولين أميركان أعلنوا تفهمهم للتحفظات الإسرائيلية وأن حكومة شارون أوفدت مبعوثا إلى واشنطن ليوضح للحكومة الأميركية موقف تل أبيب من تلك الخريطة كما أعلنت أنها لن تتفاوض مع رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد إلا بعد وقف الإرهاب الفلسطيني وضرب بنيته التحتية، كما أعلنت الحكومة الإسرائيلية رفضها ربط خريطة الطريق بمبادرة الأمير عبد الله ولي العهد السعودي التي تبنتها القمة العربية بالاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات معها مقابل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في عام 1967م. هذا بالإضافة إلى انزعاج تل أبيب من تصريحات توني بلير رئيس الوزراء البريطاني قبل وأثناء الحرب على العراق بضرورة تقدم عملية السلام على المسار الفلسطيني الإسرائيلي والإسراع بقيام الدولة الفلسطينية حتى تكون هناك مصداقية لدى العرب والمسلمين بأن الحرب على العراق ليست جزءا من سلسلة الحرب على الإسلام تحت مسمى الحرب على الإرهاب. ثالثا: إعلان أبو مازن في خطاب تكليفه رئيسا للوزراء أمام المجلس التشريعي الفلسطيني أنه ضد الإرهاب وأنه سيعمل على القضاء على فوضى السلاح من يد الجماهير ويؤيده في هذا التوجه وزير شئون الأمن الجديد العقيد محمد دحلان الذي كان يرى ضرورة سحق المقاومة ومواجهتها مما أدى إلى صدام راح ضحيته حينذاك بعض القتلى من الفلسطينيين فترة عمله رئيسا لجهاز الأمن الوقائي في غزة معقل حركات المقاومة الإسلامية حماس والجهاد. وجاءت تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد مخيبة لآمال العديد من المراقبين وهو ما لم تقبله العديد من الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس والجهاد اللتين أعلنتا عدم قبولهما بإلقاء السلاح ووقف المقاومة ضد الاحتلال. فإذا أضفنا إلى هذا أن خريطة الطريق نفسها ليست واضحة كما أنها تشدد على ضرورة مقاومة الإرهاب الفلسطيني وتنص على جلوس الطرفين إلى مائدة المفاوضات وحدهما وترحيل المسائل الشائكة كالقدس واللاجئين والحدود إلى المراحل التالية يعني أننا مقبلون على مرحلة جديدة من الصراع الفلسطيني الفلسطيني دون مقابل حقيقي اللهم إلا مجرد تهيئة الأوضاع للدخول في مرحلة من المفاوضات تعيدنا إلى أجواء أوسلو ودخولنا في مناقشات بيزنطية يجيد الطرف الإسرائيلي فيها المساومة والتهرب واللعب بالكلمات والتركيز على أمن إسرائيل ويبدأ المفاوضات من نقطة الصفر فلا يبنى على ما تم التوصل إليه من مفاوضات سابقة ولا يعبأ بقرارات الأمم المتحدة السابقة والمتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي من جميع الأرض العربية المحتلة في عام 1967م. فهل تستحق هذه الخريطة التي ليست أكثر من مجرد فخ ملغم قصد به إغراق الشارع الفلسطيني في دوامات من الصراعات والحروب الداخلية يسيل فيها مداد الدماء أنهارا فنريح الأعداء من عبء مواجهة المقاومة التي ألحقت خسائر فادحة بالاقتصاد الإسرائيلي وأحرجت شارون الذي وعد اليهود بتحقيق الأمن في مائة يوم ولم ينجح. ـ كاتب مصري ـ جامعة الإمارات