الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 من المؤلم جداً ان يسمع العرب والمسلمون او ان يقرأوا لتوماس فريدمان «اليساري» الاميركي المتعاطف مع اسرائيل والداعم للحرب على العراق بأن بلاده «اضيفت اليها ولاية جديدة تضم 23 مليون عراقي، وإننا تبنينا طفلة اسمها بغداد!». لكن المؤلم اكثر فأكثر هو ان يستمر العرب والمسلمون بالخطاب والخطاب وحده في مواجهة التحديات الجديدة التي افرزتها حرب السيطرة على العراق والتفرد بقرار حكم العالم على طريقة الادارة الاميركية اليمينية المحافظة. ان تكون عربياً أو مسلماً مسانداً للعراق اليوم قد يكون عليك ان تفعل اي شيء يساعد العراق لتجاوز مرحلة «لملمة الجراح» والخروج من حالة «الصدمة والذهول» باتجاه احياء «الامل» في امكانية اعادة ترميم الشخصية «العراقية» له كما يحب ويرضى هو، لا كما يتصورها او يريدها له الآخرون وهم كثر. فالعراقي اليوم يتحمل وحده تفاعلات النتائج المروعة التي بدأت تظهر على المشهد الاعلامي والسياسي لحكم توتاليتاري دموي دون ان يكون مسئولاً عن صناعته اولاً ودون ان يكون قادراً على تجاوز المحنة الناتجة عن تبلور هذا المشهد ثانياً. والعراقي اليوم، وهو الذي كان يعض على الجرح لوحده مدة تقارب الـ 35 عاماً، تراه اليوم مطالباً بدفع فاتورة الـ 35 عاماً الماضية لوحده مرة اخرى خراباً وانعداماً للامن وافلاساً للخزينة وفراغاً سياسياً ونزاعات داخلية واقليمية ودولية حول العراق الجديد وهو اي العراقي ـ المواطن ـ المادة الخام ـ آخر من يعلم وآخر من يستشار وآخر من يسأل، لكنه اول وآخر من يدفع الثمن! تختلج في ذهن العراقي اليوم مشاعر مختلطة ومتضادة ومتعاكسة ومتضاربة وكلها صعبة على التحمل «لوحده» لكنه مضطر لمواجهتها جميعاً وظهره للحائط لأن لا أحد قادر على فهمه أو تفهم مشاعره الا من عانى مثله ومر بالمسيرة ذاتها وهم ليسوا الا مواطنين مثله لا حيلة لهم ولا قوة. العراقي اليوم منشغل ومشغول بين ان يلملم جراح ما خلفه حكم صدام حسين البائد من إعدام الشخصية التاريخية ووحدة هويته العربية والاسلامية بعد ان ادخله النظام البائد في حرب شاملة مع محيطه وجيرانه، وبين ان يستعد لدفع ثمن تلك الحرب بحرب اخرى تسميها ادارة بوش «تحريرية» فيما يؤكد جيرانه ومحيطه بأنها «احتلالية» كما تؤكد الوقائع اليومية من حوله بأنها «هيمنية» وهي في الواقع اياً كانت «عملية جراحية» خطيرة عليه وعلى حياة بلده ووطنه الذي بات في مهب الرياح عربياً بقي أو صار «ولاية اميركية»، كما يحب ويشتهي توماس فريدمان والولاة الجدد الذين نصبتهم الادارة الاميركية عليه. نعم بالنسبة للآلاف من القادمين من الخارج سواء كانوا من السياسيين او رجال الدولة السابقين او تجار السياسة الجدد الذين ظهروا مؤخراً على المشهد العراقي، او من رموز فصائل المعارضة السابقة المتعطشين للسلطة واخذ نصيبهم من حواشي الكعكة التي باتت بقبضة الاميركيين، او من بعض ابناء الداخل ممن رأوا الفرصة مناسبة لتطهير تاريخ سكوتهم على الظلم والفساد الذي كانوا يرونه بأم اعينهم، بالنسبة لهؤلاء جميعاً، ليس هناك ما يحرجهم او يحرك مواجعهم سوى السهم الذي يريدون اقتناصه من حواشي الكعكة «العراقية»! لكن المواطن العراقي العادي وهو جمهور الـ 23 مليوناً الذين يريد توماس فريدمان ان يجعلهم جزءاً من خريطة «النهب» الاميركية وليس «المواطنة» بالتأكيد عندما يتحدث عن الولاية الواحدة والخمسين. هذا المواطن هو اليوم اكثر ما يكون بحاجة إلى وقفة عربية واسلامية شجاعة إلى جانبه، وقفة صادقة وجدية معه هو وليس مع السياسيين والاحزاب والفصائل والتقسيمات والتشكيلات والائتلافات والتحالفات التي تخوض الآن معارك تقسيم الغنائم والحصص اكثر مما هي بصدد اعادة بناء العراق. ثمة من يتساءل اليوم بجدية عن دور العرب والمسلمين في مهمة اعادة بناء العراق! واذا ما كانوا قد سلموه نهائياً إلى «المتبني» القادم من وراء البحار البعيدة. واذا ما كانت اجتماعاتهم ومشاوراتهم ولقاءاتهم الثنائية والمتعددة وهم يناقشون «الملف العراقي» اقرب ما تكون إلى ابراز القلق على مستقبلهم من تداعيات ما حصل منها إلى مساعدة العراقي في «لملمة جراحه» ومساعدته في استعادة عافيته؟! وهنا ثمة من يقول ايضاً لماذا لا يبدأ العرب والمسلمون بنقد موضوعي ذاتي لأنفسهم ومسلكهم طوال الـ 35 سنة الماضية فيما يخص موضوع التعامل مع النظام العراقي بالذات؟! لماذا يجتمعون اليوم قلقين ولم يجتمعوا طوال الـ 35 عاماً الماضية قلقاً على محنة العراقيين؟! لماذا يسطحون التحليل والمعلومة معاً ويرمون بالمسئولية على نظام الرئيس العراقي المخلوع وحده؟ وكأنه كان يعيش في جزيرة نائية عنهم؟ ولماذا لا يكشفون بجد خفايا وتفاصيل الاتيان به الى سدة الحكم من جانب الذين اطاحوا به هم انفسهم كما بات معلوماً للجميع؟! وأسئلة كثيرة اخرى فيما لو تمت الاجابة عنها صراحة اليوم او في المستقبل القريب لعلها تساعد ليس فقط العراقي في «لملمة» جراحه، بل وتمنع حصول كوارث جديدة متوقعة لسائر اقطار الأمة العربية والاسلامية. المواطن العراقي البسيط الذي يحاول ان ينتقل اليوم من الواقع المر الذي عاشه ما يزيد على ثلاثة عقود الى عالم من الخيال قد يكون امر من الواقع الماضي والحالي اذا لم تغتنم الفرصة وترك لوحده مرة اخرى امام احتمالات صناعة ديكتاتوريات جديدة متعددة بدلا من الديكتاتور الاوحد، هذا المواطن العراقي بحاجة الى دفعة جادة من قبل اخوانه واشقائه واصدقائه بين العرب والمسلمين. وقفة تعينه على ممارسة حريته وحرية انتخاب حاكمه وحرية بناء واعادة بناء بلده ودولته ونفسه بنفسه وعندها فقط او بكلمة ادق وبعدها فقط نستطيع ان نطالب او نطالب من العراقي العودة لاحتضان عروبته واسلامه كما يتوقع العروبيون والاسلاميون، لا قبل ذلك. ذلك لأن الاميركيين والمحتلين عموما وهم يطاردون خصمهم ـ صديقهم السابق لم يكونوا يفكرون ولا للحظة ببلد اسمه العراق ولا بإنسان اسمه العراقي بقدر ما كانوا مهتمين «بكسر الجوزة» العراقية كما كان ينصحهم توماس فريدمان وامثاله من المنظرين للحرب الشاملة على العراق. الامر الذي اساء وأضر بالمواطن العراقي اكثر مما اضر برموز النظام السابق. كل الدعم اذن للمواطن العراقي بعيدا عن اهواء ومطامع السياسيين وتجار السياسة «الحديثي النعمة» منهم و«المعتقين». ولنقف جميعا دقيقة «تأمل» من اجل العراق قبل ان نطلب من أهله ما تعودنا ان نطلبه منهم قبل الكارثة التي حلت بهم. ـ امين عام منتدى الحوار العربي الايراني