الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 كأنما بؤر الصراع الدامية وحدها لا تكفي. السلم العالمي اصبح عرضة لاوبئة هلامية لاتقل مخاطرها عن تداعيات تلك البؤر الملتهبة والساكنة. بينما لايزال الايدز خطرا مبهما تنشط المختبرات العلمية في محاولة لفك ألغازه واستنباط لقاحات لمقاومته وعلاجه انبجس الالتهاب اللانمطي القاتل، قبيل سنتين انفجرت انفلونزا الطيور. في غضون ثمانية اسابيع نهش الالتهاب الرئوي بضعة الاف من الاجساد حصد ارواح مئات منها. ظهور نوبة مرضية ـ ولو قاتلة ـ لا تشكل مثارا للدهشة. مصدر القلق العجز الفادح ازاء تحديد منبت الداء وكيفية مقاومته وعلاجه، الارتباك لايزال مستحكما بشأن القدرة على تشخيص المرض. حدوث هذا على عتبة القرن الحادي والعشرين مسألة تفرز احباطا مرضيا. القصور على هذه الجبهة يحرض في التو على مراجعة التقدم المهول والانفاق السخي على جبهات اخرى محورها وغايتها تدمير الانسان حياته وحضارته. لو ان الالتهاب القاتل نوبة مرضية عابرة لهان الامر، غير ان «سارس» امسى ظاهرة كونية تبث الرعب في جنبات المعمورة. موجات الهلع تتصاعد كلما سقطت ضحية خلف سور الصين العظيم او تسلل الفيروس الى ارض جديدة. من كل خمسة مصابين يموت واحد. سقوط الضحايا يشكل جانبا من الحزن والألم. الازمة المصاحبة للالتهاب القاتل بدأت تنهش الحركة الاقتصادية كذلك. الفيروس استنزف الصين بضعة مليارات من الدولارات، كندا خسرت عشرات الملايين. حركة السياحة تتعرض لنكسة حقيقية. شركات السفر فقدت بارقة أمل للرهان على تجاوز الصدمة التي اصابتها في اعقاب حماقة 11 سبتمبر. مدينة اونتاريو الكندية رصدت 83 مليون دولار لاطلاق حملة عالمية للتسويق بغية تجاوز الازمة الناجمة عن سارس. انفجار الوباء في الصين يطرح سلسلة من الاسئلة الساخنة. ليس منطقيا التعويل فقط على الكثافة السكانية. اذن لاصبحت الهند الدولة الموبوءة الثانية غير انها لاتزال آمنة. ربما لايصبح رهانا خاسرا الحديث هنا عن معدلات النمو المضطردة التي حققتها الصين في السنين الاخيرة. كثير من الاقتصاديين يعتبرون الـ 11% وهي نسبة النمو في الاقتصاد الصيني معجزة عصرية. ليس بالضرورة ان نذهب في طريق التفسير التآمري للاحداث. قد يعين على المضي في هذا الطريق او النكوص عنه معرفة مصدر الالتهاب اللانمطي. من أين جاء هذا الفيروس اللعين؟ ربما يكون الفيروس شاهدا على ادانة جهات لها المصلحة في عرقلة معدلات النمو الصينية القياسية. بعيدا عن روح المؤامرة تنبهنا المصيبة الفجائية الى ضرورة الاهتمام بشبكة الخدمات الصحية خاصة من قبل الذين يؤمنون ان الانسان أغلى رأسمال. اذا كشف الالتهاب هشاشة البنية التحتية لشبكة الخدمات الصحية في دول آسيوية مثل الصين، سنغافورة في عداد النمور الاقتصادية المتوثبة فكيف يكون الحال عند تسلل الفيروس الى افريقيا؟ في تلك القارة لاتوجد في الاصل شبكة للخدمات الصحية في العديد من أقطار القارة السمراء. الايدز الذي انفجر في افريقيا قد يعزز ظهور سارس في اسيا في سياق نظرية المؤامرة. ها هي اميركا سيدة العالم تغلق ابوابها امام الطلاب القادمين من اسيا باعتبارهم حملة فيروس الالتهاب القاتل. سيدة العالم كانت اغلقت ابوابها امام الطلاب الشرق اوسطيين باعتبارهم حملة جرثومة الارهاب. الادارة الاميركية تنفض يدها عن هموم العالم وترفض دفع مساهمتها في الصندوق العالمي لمكافحة الايدز والسل والملاريا. سيدة العالم قررت ان تستنزف خيرات العالم دون مقابل. ربما يستنبط العالم الموبوء بالقلاقل كيفية اغلاق ابوابه في وجه سيدة العالم او يستحدث ادوات ينتهش بها جسدها المكتنز بالرفاهية والطغيان.