لجنة تحقيق عربية، بقلم: احمد الكناني

السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 لم تظهر بعد أي بادرة تشي بأننا كعرب نحاول فهم كارثة سقوط العراق على أسس علمية. الكل حائر تجاه ما جرى.. والكل يحاول تفسير الأمر عبر تلقف وتضخيم أي معلومة حتى ولو كانت مدسوسة، بينما حقيقة الكارثة أعمق وأشمل من أية تفسيرات سطحية وآنية، وتحتاج الى أكثر مما يقال ويتداول وصولا الى التوثيق العلمي الشامل. كارثة العراق تستدعي تحركاً علمياً عربياً والمدهش ان أي مؤسسة أو هيئة عربية لم تعلن أو تبادر الى الدعوة لعقد مؤتمر أو مؤتمرات علمية لبحث وتحليل هذه الكارثة التي هي أعمق من سقوط بغداد. فبغداد لم تكن سوى سقوط الرمز بينما العراق كدولة سقط قبل سقوط بغداد ربما بسنوات. فسقوط بغداد يوم التاسع من ابريل الماضي لم يكن سوى انزال لستار فصل قديم ايذانا ببدء فصل جديد من فصول المأساة العراقية. سقوط بغداد سبقته مقدمات كثيرة على مستوى بنية الدولة العراقية، وبنية النظام السياسي، والعلاقة بين النظام الحاكم والشعب، وطبيعة هذا النظام ومؤسسات الدولة المختلفة، تلك المؤسسات التي تبين يوم سقوط بغداد انها ليست سوى رجل واحد هو صدام حسين نفسه، فالرجل اختزل الدولة والمؤسسات في ذاته وتماثيله. فكان هو العامل والفلاح والجندي والمهندس والطبيب حتى السائح وهو ايضا رجل الشرطة والقاضي، فتماثيل الرجل وصوره المنتشرة في الوزارات والمؤسسات كانت تعكس هذه الحقيقة التي لم يكتشف معظم الجمهور العربي بشاعتها الا ساعة سقوط بغداد. والمؤسف أن أكثر دولنا العربية تعيش هذه الحالة وان قل عدد الصور وعدد التماثيل التي تقام لقادة عرب آخرين. فالعقلية واحدة لدى الحاكم وهي ايضا متقاربة لدى المحكوم العراقي والمحكوم العربي. ولقد انتبه البعض على استحياء لتلك الظاهرة العربية مثلما جرى في اليمن مؤخرا، حيث يقال ان تعليمات ضمنية، صدرت برفع صور للرئيس علي عبدالله صالح من مؤسسات عامة ووزارات. فالرجل دعا الى فهم دروس سقوط بغداد. رغم ان ازالة الصور ليست بتلك الأهمية التي يجب ان يحظى بها تغيير السياسات. المأساة العراقية بكل فصولها تحتاج الى اجراءات أكثر عمقا وشمولا، فهي تحتاج الى جهود أكاديمية تشمل تشكيل فرق عمل علمية لجمع المعلومات وتحليلها ومعرفة الأسباب التي أدت الى الكارثة. ومعرفة كيف استطاع المخطط الاميركي النفاذ تحت جلد المواطن والعسكري العراقي؟ وكيف استطاعت واشنطن ابتزاز العرب جميعهم أو تحييد بعضهم في قضية لا تحتمل الحياد؟ ولماذا أهدر العرب ـ بما فيهم العراق ـ اثني عشر عاما ما بين غزو وتحرير الكويت الى غزو واحتلال العراق في خلافات وصراعات أدت الى الكارثة.. الاسئلة كثيرة والاسباب اكثر ولكن لا اجابات علمية قادرة على سد فراغ المسافات. فالعقل العربي تحطم مرارا على عتبات المراوغات والمؤامرات التي تحاك سرا وعلانية. وربما يستمر كذلك ما لم نجعل من كارثة العراق نقطة نهضة حقيقية نخضع فيها الكارثة للدراسة والتحليل العلمي وفق نظرة قومية شاملة. ان هزيمة المانيا النازية وايطاليا الفاشية وكذلك اليابان في الحرب العالمية الثانية لم تمر مرورا سهلا من جانب المهزومين (الضحايا) ومن جانب المنتصرين (المستعمرون) ولا يزال المحققون والمدققون والباحثون يدرسون جوانب الهزيمة والنصر على كل المستويات ومختلف المجالات. نعم هناك اختلافات كثيرة بين الكارثة العراقية وهزائم المانيا وايطاليا واليابان ولكن لا شك هناك أوجه شبه ـ بين بعضها ـ من حيث سطوة الحزب الواحد، والديكتاتورية وعبادة الفرد كنمط حكم يقوم على مصادرة ارادة الشعب، والزج بمقدرات الدولة في حروب عبثية مهما كانت الشعارات التي تغلفها. هذا الى جانب النهاية الدموية لكل هذه النظم. ولا يغيب عنا ايضا ان دولة مصطنعة كاسرائيل لا تزال حتى هذه اللحظة تدرس وتبحث في أسباب اندحار مشروع الدويلات الصليبية على يد صلاح الدين الأيوبي وخلفائه قبل أكثر من ثمانمئة سنة. فهي تدرك ان وجودها يشبه تلك الدويلات، فهي مثلها استيطانية، وتستند مثلها الى أكاذيب دينية، كما انها ايضا غريبة عن المنطقة، فهي ظاهرة غريبة وتنتمي الى المشروع الاستعماري الغربي (الأوروبي ثم الأميركي). يضاف الى ذلك ان اسرائيل أقيمت في نفس المنطقة التي نشأت فيها نفس الممالك الصليبية. والكيان الصهيوني يهدف الى معرفة الأسباب التي أدت الى اندحار هذه الممالك الصليبية لتتلافى هذه الأسباب ومعرفة مصادر القوة التي أدت الى انتصار العرب فتعمل على اضعافها. فاذا كان توحيد العرب على يد صلاح الدين الأيوبي هو عامل النصر فيجب ـ لديها ـ ان يظل العرب متفرقين مفككين متناحرين. واذا كان العلم هو مصدر الانتصار فيجب منع المعرفة والتكنولوجيا عن العرب.. وهكذا الأمر بالنسبة لكل مصدر يقود الى تحقيق النصر العربي. لقد اعتبرت الولايات المتحدة واسرائيل ان سقوط العراق هو الحجر الأول من أحجار الدومينو، وان بقية الأحجار العربية مطلوب اسقاطها ولهذا كانت دعوة قادة الكيان الصهيوني وقادة الكيان الاستعماري الأميركي للعرب أن يعوا الدرس. وهذا فعلا ما يجب علينا ان نفعله، ولكن ليس على طريقتهم، وانما على طريقتنا نحن. وهي استيعاب الدرس وفق دراسة وبحث وتدقيق علمي كي نعلم أسباب ومصادر القوة لدينا فنوقظها وننشطها ونفعلها، ونعرف أسباب الضعف فيهم فننميها ونقويها بما يضعفهم أكثر. وان نكون قادرين على علاج أسباب القصور لدينا وهي كثيرة وضرب مواطن قوتهم فنحرمهم منها. وهم لديهم اسباب ضعف كثيرة ولدينا نحن أيضا أسباب مماثلة. وهو ما يجب ان يحفزنا لبداية جديدة كي يختلف حالنا عن مآل العراق. فنحن لا نزال نعاني مما عانى منه العراقيون على صعيد الحزب الواحد، واتساع الفجوة بين النظم والشعوب، وتعطيل الحريات، واطلاق يد أجهزة الأمن ضد الخصوم ولو كانوا من أهل الكلام.. فكلنا في الهم عرب. وهذا الدور التحقيقي هو ما نأمل أن تقوده الجامعة العربية في اطار الحديث عن ضرورة الاصلاح. ويمكن ان يتم ذلك بالتعاون مع اتحاد الجامعات العربية والأكاديميات العلمية ومراكز البحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية واساتذة الاجتماع والاقتصاد والعسكريين وغير ذلك من التنظيمات الشعبية والسياسية العربية، كي يكون الجهد قوميا عبر توفير المتخصصين وعبر توفير التمويل اللازم. فهذا الجهد يصعب أن توفيه حقه جهة واحدة وليكن عمل هذا الفريق بمثابة لجنة تحقيق عربية في الكارثة العراقية. وربما تتمخض عن هذه التجربة ـ إذا حدثت ـ نواة لعمل عربي مشترك يمكن البناء عليه مستقبلا في مختلف المجالات. الكارثة ـ حقا ـ مروعة وستظل كذلك لفترة طويلة.. بما يستدعي تحركاً عربياً عاجلاً وسريعاً قبل أن تبرد عزائمنا تجاه العراق بكوارث جديدة. فهذا ما تفعله كل الأمم الحية في عصرنا الحديث. هذا ما فعلته اسرائيل عقب هزيمتها في حرب اكتوبر 1973 بطريقتها الخاصة وما فعلته الولايات المتحدة بعد قصف بيرل هاربور وما تفعله الآن بعد هجمات 11 سبتمبر. وقد اعتادت مؤسساتهم مثل هذه الاجراءات بعد كل أزمة تلحق بهم. وهذا هو أحد الفوارق الجوهرية بيننا وبينهم. فهم ينتصرون علينا في أكثر المواجهات لأنهم يستفيدون من أخطائهم. وقد حان الوقت لكي نعرف اخطاءنا ونستفيد منها.. وان لم نفعل فسوف يكون مصيرنا كالعراق ان لم يكن اليوم فغدا.. وتلك هي سنة الحياة.. وذلك هو منطق الأقوياء المتجبرين نحو الضعفاء والمتنطعين من العرب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات