خريطة الطريق الصغيرة في خريطة الشرق الكبرى ، بقلم: د. احمد القديدي

السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 في الاسبوع الماضي عندما وقف اربعة رجال يمثلون المربع المسئول: اميركا والاتحاد الاوروبي وروسيا والامم المتحدة، ليعطوا لرئيس الحكومة الفلسطينية الجديد محمود عباس وثيقة ذات غلاف احمر مكتوباً عليها: خريطة الطريق لسلام الشرق الاوسط، كان المشهد مثيراً وغير عادي في منطق العلاقات الدولية، لان الرجال الاربعة كانوا في الواقع يقدمون لابي مازن كما قدموا لرئيس الوزراء الاسرائيلي مخططاً اميركياً بصم عليه الثلاثة الآخرون، ويمثل الطريق الوحيدة لحل القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي. وعند قراءتي للنص الرسمي الكامل المنشور يوم الجمعة قبل الماضية على اعمدة الصحف تيقنت بأن الواقع السياسي تغير تماماً في العالم وفي الشرق الاوسط، وبأن الواقعية تقتضي قبول هذه المراحل الثلاث من اليوم الى عام 2005. فهي خريطة طريق اقليمية اكثر منها مسار فلسطيني اسرائيلي. تحمل الجانب الفلسطيني مهمة ايقاف ما سمته الوثيقة بالعنف والارهاب وتحمل الجانب الاسرائيلي مهمة ايقاف الاستيطان حتى ذلك النوع المسمى بالنمو الطبيعي للمستوطنات وايقاف ملاحقة الفلسطينيين داخل وخارج اراضي السلطة والقبول بدولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية مسالمة قادرة على البقاء. ولكن الخريطة تمتد لتشمل كذلك مسئوليات ملقاة على عاتق الدول العربية المجاورة لايقاف مساندتها للمنظمات التي صنفتها واشنطن منظمات ارهابية، ولتشمل ايضا مسئوليات ملقاة على عاتق دول المربع صاحب الخريطة اي اميركا والاتحاد الاوروبي وروسيا والامم المتحدة لكي تضخ الاموال اللازمة لانشاء دولة فلسطين، وتتطرق الوثيقة الى القاعدة الامنية التي تنبني عليها خطة السلام والى ضرورة دمقرطة المؤسسات الفلسطينية وصولاً الى عام 2005، لطرح حلول اخرى حول مواضيع مؤجلة وحساسة مثل موضوع مدينة القدس وملف اللاجئين، وتضم الوثيقة اسسا شرعية لكل المراحل هي قرارات مجلس الامن 242 و338 و1397. والملاحظة الاولى هي بالطبع التوازن الذي يميز هذه الوثيقة بين تحميل المسئولية للطرفين، وفي ذلك تغيير واضح وحاسم عن الظلم السياسي الاميركي الذي وجه سهامه فقط الى حد اليوم الى الجانب الفلسطيني والى ياسر عرفات مشجعاً بذلك عمليات القهر والقتل والاضطهاد والاذلال التي عاناها الشعب الفلسطيني وتحديداً منذ بداية انتفاضته الاخيرة يوم 28 سبتمبر 2000. والملاحظة الثانية هي اقرار اميركي في نهاية الوثيقة بأن الهدف هو «حرفيا» «انهاء الاحتلال الاسرائيلي الذي بدأ عام 1967 وايجاد حل عادل ومنصف وواقعي لقضية اللاجئين وحل تفاوضي لوضع القدس يأخذ بعين الاعتبار الاهتمامات السياسية والدينية للجانبين ويصون المصالح الدينية لليهود والمسيحيين والمسلمين على صعيد العالم ويحقق تعايش دولتين جنباً الى جنب في سلام وأمن..». والملاحظة الثالثة هي ان خريطة الطريق هذه هي الخريطة الصغيرة وتضعها واشنطن اليوم ضمن الخريطة الاكبر.. خريطة الشرق الاوسط التي ترسمها بالحرب وبالضبط ولا تقبل فيها نقاشاً او عليها اعترافاً. فالرئيس بوش الذي القى خطابه الاسبوع الماضي على ظهر حاملة الطائرات ابراهام لنكولن اوضح بفصاحة اميركية بشأن الانتصار في العراق هو خطوة مهمة في الحرب على الارهاب.. تاركاً الانطباع المؤكد لدى سامعيه من صانعي القرارات الشرق أوسطية بأن الخطوات المقبلة المجهولة تحتمل كل التكهنات. فقد تغير الوضع الجغرو سياسي على حدود سوريا.. فقد كانت سوريا جارة للعراق اما اليوم فهي جارة لاميركا على طول تخومها العراقية، ولا يبعد الجيش الاسرائيلي عن دمشق إلا 35 كيلومترا في هضبة الجولان.. وقد تكفل وزير خارجية فرنسا دوفيلبان بدعوة سوريا للانسحاب من لبنان في صفقة دولية ما بين اميركا والاتحاد الاوروبي لعودة المياه الاطلسية الى مجاريها. اما صورة الخريطة الكبرى لشرق اوسط جديد، فقد بدأت ايادي الخبراء في رسمها واظهار ملامحها للعالم، حين قال بول ولفوفيتز مساعد وزير الدفاع الاميركي للتلفزيون المصري يوم 21 ابريل بأن الحدود يعاد رسمها لما فيه الاستقرار والسلام «من المنظور الاميركي»، وحين قال فيل جوردن من بروكنز «مؤسسة التنظير الاميركي الاسرائيلي» بأن على دول الشرق الاوسط استخلاص العبر الصحيحة من ساحة الفردوس، وحين قال كل من ريتشارد لوجار رئيس لجنة الشئون الخارجية بالكونغرس وجو ليبرمان عضو الكونغرس عن ولاية كونكتيكات والصقران المعروفان بأن العالم تغير.. ولا وقت لدينا نضيعه في انتخابات تؤدي بالعراق او بغيره الى شبه دولة اسلامية.. هذه هي ملامح الخريطة الصغيرة في الخريطة الكبيرة. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات