المقاومة الوطنية العراقية، بقلم: احمد عمرابي

السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 يقول الفقيه العراقي الشيخ احمد الكبيسي انه ليس من الحكمة الدعوة إلى قيام نظام حكم إسلامي في العراق في الوقت الحاضر. ولا يملك اي مراقب للوضع العراقي الراهن إلا أن يرى في هذه المقولة اعلى درجات الوعي السياسي. ذلك انه بالاضافة الى ان هذه الدعوة اذا طرحت في الظرف الحاضر العصيب لن تفرز الا جدالا متشعبا، ليس فقط بين الاسلاميين وغير الاسلاميين بل حتى بين المنظمات الاسلامية ذاتها، وانما ـ وهذا هو الأهم ـ لأن الانصراف نحو قضايا بعيدة المدى مثل فلسفة نظام الحكم المستقبلي سوف يكون حتما على حساب العمل التحرري من الاحتلال الأجنبي الجاثم. العالم احمد الكبيسي عاد الآن لتوه الى بغداد بعد سنوات من العيش في المنفى بعد أن فر من أجهزة صدام حسين الباطشة وقد اعتزم الانخراط في النشاط السياسي التنظيمي ضد الاحتلال. وهذه هي المرة الثانية التي يزور فيها الشيخ الكبيسي عراق ما بعد صدام. وفي المرة الأولى، ولما يبلغ عمر الاحتلال الأميركي إلا اياما معدودات قام هذا الفقيه بتأسيس تنظيم أطلق عليه «رابطة العلماء المسلمين العراقيين» وحزب سياسي يسمى «الحركة الوطنية العراقية الموحدة». ولاشك ان السؤال الأول الذي يخطر على البال هو: ما هي استراتيجية الشيخ الكبيسي في مقاومة القوة الاحتلالية الأميركية؟ وما هي أولوياته؟ وما هو اسلوبه النضالي؟ ان أول ما يلفت الانتباه ان الكبيسي مفكر سياسي ذو ذهنية توحيدية. فهو ـ لا يمل القول والتكرار بأن «الشيعة والسنة العراقيين أخوة داخل خندق واحد». وقد اجتذبتني مقابلة اجرتها معه صحيفة «جلف نيوز» التي تصدر في دبي اعاد فيها الى الاذهان ما كان ومازال يردده بعض المحللين العرب من ان اقتتالا طائفيا سوف يحدث في العراق فور سقوط النظام البعثي.. الأمر الذي لم يقع.. ولا تتوافر اي مؤشرات بأنه سوف يحدث في المستقبل المنظور. ولا أدري الى ماذا استند هؤلاء المحللون في حكمهم هذا. فالمجتمع العراقي في تاريخه القريب لم يشهد أية فتنة طائفية ـ بالمجتمع اللبناني مثلا ـ يمكن ان تكون من الحدة فتقود الى اقتتال. فان كان للمجتمع العراقي سمة غالبة واحدة فهو أنه احد المجتمعات العربية والإسلامية القلائل التي طغى فيها الانتماء السياسي على الانتماء المذهبي بل والعشائري ـ اذا استثنينا حالة الاقلية الكردية ـ وهي حالة اثنية خاصة. بناء على هذه المعطيات فان المطلوب الآن من قيادات عراقية ذات توجه وطني عريض هو العمل على بناء جبهة وطنية عريضة مفتوحة لكل العراقيين تكون أولويتها الأولى والوحيدة شن حركة مقاومة منظمة لتحرير البلاد من الاحتلال الأميركي. وربما تحتاج هذه الجبهة في مرحلة متقدمة الى الكفاح المسلح لكن الحكمة تقتضي، كما يقول الشيخ الكبيسي ألا تبدأ به. والحكمة في هذا الصدد ذات وجوه متعددة منها أولاً عدم استفزاز قوات الاحتلال الى الدرجة القصوى دفعة واحدة مما يعطيها ذريعة لاستخدام العنف ضد حركة نضالية لاتزال في مرحلتها التكوينية المبكرة. ان الافضل ان تدشن حركة المقاومة مشروعها النضالي بأسلوب العصيان المدني متعدد الاشكال السلمية ابتداء من مظاهرات الاحتجاج ومن ثم تتدرج الحركة في العمل النضالي صعوداً الى ان تبلغ مرحلة من الصدام مع قوات الاحتلال تتوصل بعدها الى قناعة نهائية بأن الكفاح المسلح بات ضرورة حتمية. ولاشك ان الشيخ الكبيسي يدرك طبيعة ما هو مقبل عليه فقد قال في المقابلة الصحفية المشار اليها «لن يكون في مصلحة الشعب العراقي ان يقاتل الاميركيين في الظرف الراهن» دون ان يستبعد ضرورة القتال اذا تطلب الأمر ذلك في مرحلة لاحقة. وعلى أية حال فان المهمة الفورية الآن هي استكمال بناء جبهة المقاومة علما بأن هذه الجبهة سوف تجد نفسها في حالة سباق مع الزمن. فالولايات المتحدة ماضية في تطبيق ترتيبات على الارض مثل تشكيل حكومة مؤقتة من شخصيات موالية واقامة برلمان ذى عضوية مزيفة. ومما يثلج الصدر انه باعتمادها على قاعدة من التوحيد بين صفوف العراقيين بغض النظر عن الانتماءات الطائفية والعرقية فان الجبهة تقوم على اساس متين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات